الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

9509331

النَّـهي عن التَّطـيُّر

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:

الطيرة مايتشاءم به من الفأل الرديء وغيره ، واشتقاقها من الطَّير ، وكانت العرب تتطيَّر من الغراب، وتتشاءم به ، وترى أن ذلك مانع من الخير ، فنفى الإسلام ذلك ، وقال : "لا طيرة ".

والتطيُّر نوع من الشرك بالله- جل وعلا- بشرطه ، والشرك الذي يكون من جهة التطير مناف لكمال التوحيد الواجب ؛ لأنه شرك أصغر . وحقيقة التطير : أنه التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح ، أو النطيح والقعيد ، أو بغير الطير مما يحدث . فكانوا في الجاهلية إذا أراد أحد أن يذهب إلى مكان ، أو يمضي في سفر ، أو أن يعقد له خيارا ، استدل بما يحدث له من أنواع حركات الطيور ، أو بما يحدث له من الحوادث على أن هذا السفر سفر سعيد فيمضي فيه ، أو أنه سفر سيئ وعليه فيه وبال فيرجع عنه . وعلى هذا فضابط الطيرة الشركية التي من قامت في قلبه وحصل له شرطها وضابطها فهو مشرك الشرك الأصغر ، هو ما جاء في آخر الباب من قوله عليه الصلاة والسلام : « إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك » رواه أحمد،  فالطيرة شرك ، وهي التي تقع في القلب ، ويبني عليها المرء مضاء في الفعل ، أو نكوصا عنه . فإذا خرج مثلا من بيته وهو ينوي سفرا ، أو رحلة ، أو ينوي القيام بصفقة تجارة ، أو نحو ذلك ، فحصل أمامه حادث ، فهذا الحادث الذي حصل أمامه من تصادم سيارة ، أو اعتداء من واحد على آخر ، أو نحو ذلك ، إن أوقع في قلبه شؤما، واستدل بهذا الحادث على أنه سيفشل في سفره أو في تجارته أو أنه سيصيبه مكروه في سفره ، ورجع ولم يمض فقد حصل له التطير الشركي ، أما إذا حصل ذلك في قلبه وحصل له نوع تشاؤم ، ولكنه مضى وتوكل على الله ، فهذا لا يكاد يسلم منه أحد ، كما جاء في حديث ابن مسعود « وما منا إلا ، ولكن الله يذهبه بالتوكل »  كما سيأتي .

 

فهذه حقيقة التطير الشركي وضابطه ، وتبين أن التطير عام ليس خاصا بالطير وحركاتها,  ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال : « ذُكِرَت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أحسنها الفأل » . الطيرة : يعني التأثر بالكلمة ؛ لأننا ذكرنا أن الطيرة عامة تشمل الأقوال والأعمال التي تحصل أمام العبد ، فإذا كان ثم تطير فإن أحسنه الفأل ، يعني : أن يقع في قلبه أنه سيحصل له كذا وكذا من جراء كلمة سمعها ، أو من جراء فعل حصل له . وأحسن ذلك الفأل وغيره مذموم ، وإنما كان الفأل محمودا وممدوحا ومأذونا به ؛ لما ذكرنا من أنه إذا تطير متفائلا فإنه محسن الظن بالله- جل وعلا- لأن التفاؤل يشرح الصدر ، ويؤنس العبد ، ويذهب الضيق الذي يوحيه الشيطان ويسببه في قلب العبد ، والشيطان يأتي للعبد فيجعله يتوهم أشياء تضره وتحزنه فإذا فتح العبد على قلبه باب التفاؤل أبعد عن قلبه باب تأثير الشيطان في النفس .

هذا, وقد جاء في السنَّة أحاديث عدَّة تنفي الطيرة, وتدعو إلى عدم الالتفات إليها, ومنها:

عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «الطِّيرَةُ شِرْك ، الطِّيرةُ شرك ، الطِّيَرَةُ شِرْك - ثلاثا - وما منَّا إلا ، ولكنَّ اللَّه يُذهبُه بالتوكل». أخرجه أبو داود.

وعن بريدة -رضي اللَّه عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كان لا يَتَطَيَّر من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه ؟ فإذا أَعْجَبهُ فَرِحَ به ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذلك في وجهه، وإن كَرِه اسَمه رُئِيَ كَرَاهِيةُ ذلك في وجهه ، وإذا دخل قَرية سأل عن اسمها؟ فإن أعجبه اسمها فرح بها ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذلك في وجهه ، وإن كره اسمها رُئِيَ كراهية ذلك في وجهه» أخرجه أبو داود.

وعن عروة بن عامر القرشي قال : «ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : أَحْسَنُها الفألُ ، ولا تَرُدُّ مسلما ، فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي بالحسناتِ إلا أنتَ ، ولا يدفع السيئاتِ إلا أنت، ولا حولَ ولا قوة إلا بك» أخرجه أبو داود.

وعن أنس بن مالك -رضي اللَّه عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «لا عَدْوى ، ولا طيرَةَ ، ويُعجِبْني الفَألُ ، قالوا : وما الفَأْلُ؟ قال : كلمة طيَّبة». أخرجه البخاري ومسلم. وللبخاري مثله ، وقال : «ويعجبني الفأُلُ الصَّالحُ : الكلمةُ الحسنةُ».

وعن قَطن بن قبيصة عن أبيه قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : «العيَافَةُ والطَّيرةَ والطَّرْقُ : من الجِبْتِ». أخرجه أبو داود.

والعيافة : زجر الطير والتفاؤل بها ،كما كانت العرب تفعله ، عاف الطير يعيفه : إذا زجره.

والطرق : الضرب بالعصا ، وقيل : هو الخط في الرمل ، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه ، وقد جاء في كتاب أبي داود : «أن الطرق الزجر ، والعيافة الخط».

والجبت : كل ما عُبدَ من دون الله ، وقيل : هو الكاهن والشيطان.

وعن سعد بن مالك -رضي اللَّه عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول : «لا هامةَ ، ولا عدوى ، ولا طيرة ، وإن تكن الطَّيرَةُ في شيء : ففي الفرسِ ، والمرأةِ ، والَّدارِ».أخرجه أبو داود.

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟ قال: «يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك،ولا طير إلا طيرك،ولا إله غيرك». قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف،وبقية رجاله ثقات.

وعن فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال" من ردته الطيرة ، فقد قارف الشِّرك " . السلسلة الصحيحة رقم (1065).

قال الله جل وعلا : {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}[ الأعراف: 131]؛ فالله بيده الضر والنفع ، وبيده العطاء والمنع ، والطيرة لا أصل لها ، ولكنه شيء يجدونه في صدورهم ولا حقيقة له ، بل هو شيء باطل.

ولذا يجب على المسلم إذا رأى ما يتشاءم به : ألا يَرجِع عن حاجته ، فلو خرج ليسافر ، وصادفه شيء غير مناسب أو ما أشبه ذلك ، فلا يرجع ، بل يمضي في حاجته ويتوكَّل على الله ، فإن رَجَعَ فهذه هي الطيرة ، والطيرة قادحة في العقيدة ولكنها دون الشرك الأكبر ،  بل هي من الشرك الأصغر .  والله تعالى أعلم.

 

 

دخول العضو