الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

8609331

قل لله الشفاعة جميعاً

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبة أجمعين أما بعد :


اعلم وفقني الله وإياك إلى مرضاته أنه ما نجا من الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله ، واتخذ الله وحده وليه ومعبوده ؛ فجرد حبه لله، وخوفه لله ، وذله لله ، وتوكله على الله ، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله ، وقصده لله ، فإذا سأل سأل الله ، وإذا استعان استعان بالله ، وإذا عمل عمل لله ، وهذا هو حقيقة دين الإسلام قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا...) فإذا جعلت هذا الأمر نصب عينيك ، ثم استحضرت بقلبك أنه قد وقع في الشرك الأكبر فئام من الخلق ،وتدنسوا به مع ما لهم من الفطنة والذكاء، عظم خوفك وكثر دعائك لربك بأن ينجيك من هذه الفتن التي قد انعقد غمامها واستحلك ظلامها ،وإن من أكثر المسائل التي وقع فيها الخطأ والاشتباه على مر العصور ما يتعلق بأبواب الشفاعة، حتى طلبت من غير الله وتعلقت القلوب بغير علام الغيوب ، بل قد خفيت تلك المسائل على بعض المنتسبين للعلم فضلاً عن العامة والدهماء ، فكانت الحاجة ماسة لطرق هذا الموضوع ومدارسته، فهاك يا أخي جملاً مختصرة تنير لك الطريق وتقرب لك البعيد أسأل الله العظيم أن ينفع بها الجميع.


أولاً : تعريف الشفاعة
الشفاعة في الأصل مأخوذة من الشفع وهو الزوج ضد الوتر ، لأن الشافع طالب لغيره ، فالشفاعة إذن هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة ، هذا هو المعنى العام لها ، ومن ذلك طلب الدعاء من الغير فهو في الحقيقة طلب للشفاعة وهو المقصود بالكلام في هذا المقام فهو لب المسألة وخلاصتها ، فإذا علمت أن هذا المعنى هو المراد ؛ تبين لك حكم الشفاعة إذا طلبت من الأموات وأصحاب القبور كما سيأتي بيانه - إن شاء الله - .


تنبيه :
اعلم أن من تصور حقيقة أي شيء  وعرف ماهيته وحده عرف بالضرورة ما يضاده ويناقضه ولابد ، وإنما يقع الخفاء والخطأ بلبس إحدى الحقيقتين في الأخرى ، أو بجهل كلا الأمرين !! فكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة ، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة ، مثال ذلك الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والجهل بالحقيقتين أو احداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك وعبادة الصالحين لعدم معرفة الحقائق وتصورها .
ثم إنَّ من عرف الإيمان والتوحيد ، وعرف حدودهما الجامعة المانعة انفتح له باب عظيم في الفهم عن الله ورسوله لايفهمه إلا خواص الناس .


ثانياً : حقيقة الشفاعة
دل القرآن الكريم والسنة وإجماع علماء الأمة أن الشفاعة بيد الله سبحانه ،فهي ملك له خاصة ليس لأحد معه فيها شيء، ولا يتقدم أحد فيها إلا بإذنه قال تعالى (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) وقال تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو مالكها فلا تطلب إلا منه ، لأن ذلك عبادة وتأله لا يصلح إلا لله ،وحقيقة الشفاعة أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له سبحانه أن يشفع بين يديه ، ليظهر إكرامه سبحانه للشافع وفضله عليه  فالحاصل أن حقيقتها تكون بتفضل الله على المأذون له بالشفاعة ليشفع وإكرامه بذلك ، ثم تفضله على المشفوع له ورحمته بقبول الشفاعة فيه .


ثالثاً : أقسام الشفاعة
هذه مسألة عظيمة ومن لم يعرفها لم يعرف حقيقة التوحيد والشرك فالمتأمل للقرآن يجد فيه آيات كثيرة في نفي الشفاعة وآيات كثيرة في إثباتها فدل هذا على أن الشفاعة الواردة في النصوص على قسمين :
الأولى : شفاعة منفية وهي الشفاعة الشركية التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع أو دفع مضرة ، ومن ذلك دعاء الأموات والغائبين وطلب الشفاعة منهم ، وهذا عين ما حكى الله تعالى عن المشركين قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) وقال سبحانه ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) بل إن هذا الداء العضال كان في الأمم السابقة قال الله تعالى عن صاحب يس وهو ينكر على قومه اتخاذهم الشفعاء من دون الله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) وأصل المسألة أن تعلم أن الدعاء من أعظم القربات فصرفه لغير الله شرعة جاهلية وطريقة وثنية ، فكيف إذا إنضاف إلى ذلك إنزال الحوائج بأصحاب القبور وسؤالهم خيري الدنيا والآخرة واللهج بذكرهم عند الشدائد وحدوث المصائب كما يظهر ذلك  جلياً في مقالات وأشعار هؤلاء المفتونين ، وإذا اجتمع الجهل والهوى فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى ، وأحاطت بصاحبهما موجبات الضلال و الشقى (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور).

ملاحظة :
الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى والتوجه لهم شرك محرم وأن فاعله ممن عدل بربه وجعل له أنداداً وشركاء ، وان هذا الفعل هو أصل شرك العالم، وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أهل العلم ، بل إن النبوات كلها متفقة على المنع من دعاء الغائبين والأموات فلا يدعون لشفاعة ولا غيرها .
الثانية : شفاعة مثبتة وهي التي تطلب من الله تعالى لأنه سبحانه مالكها فلا تطلب من غيره ، وهذه حق يجب الإيمان  بها ،وسؤال الله تعالى أن يجعلنا من أهلها ، لكن هذه الشفاعة جاءت مقيدة بأمرين وهما :
1- إذن الله للشافع أن يشفع لأن الشفاعة ملكه سبحانه (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)
وقال تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)
2- رضاه سبحانه عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد لأن المشرك لا تنفعه الشفاعة قال تعالى (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أسعد الناس بشفاعته أهل التوحيد والإخلاص فقد قال له أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك قال صلى الله عليه وسلم " من قال لا إله إلا الله خالصا ًمن قلبه" رواه البخاري.


رابعاً : أنواع الشفاعة

أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده وهي خاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل كما قال تعالى : { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } ، وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : «أنا لها » كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما .
الثانية : الشفاعة في استفتاح باب الجنة ، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأول من يدخلها من الأمم أمته .
الثالثة : الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها .
الرابعة : في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها فيخرجون قد احترقوا وصاروا فحما ، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل .
الخامسة : الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة .
السادسة : الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار ، وهذه خاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب .

خامساً: من أسباب الانحراف في هذا الباب
من المعلوم أن سبل الغواية وطرق الضلالة كثيرة لايمكن حصرها ، قال الله تعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) لكن من أبرزها وأشهرها على وجه الإجمال  ما يلي :
1- الاستدلال بالنصوص الصحيحة الثابتة في غير ما وردت له ، وتنزيلها على غير المراد منها ، وسلوك جادة التحريف والتأويل الباطل، وهذا من أعظم أبواب الضلال ، وهذا الأمر لا يختص به باب الشفاعة بل يجري في جميع أبواب الدين ،  ولكن بحمد الله لم يستدل مبتدع بدليل صحيح على باطله إلا وكان هذا الدليل حجة عليه علم أو لم يعلم وهذا أمر مطرد .
2- الاستدلال بالأحاديث المكذوبة والأخبار الواهية ،ومعلوم أن هذا لا حجة فيه لعدم ثبوته وإنك لتعجب أشد العجب من أقوام ينتسبون إلى العلم ومع ذلك  يوردون في كتبهم ما لا يجوز نسبته إلى رسول صلى الله عليه وسلم ، ويجعلونه أصلاً لباطلهم !! وهذا من الخذلان والغش وعدم النصح للأمة والله المستعان.
3- الاعتماد على القصص التي لا خطام لها ولازمام ، والتجارب المزعومة التي توصلت لها الفطر المنتكسة ، والمنامات الشيطانية التي يرام منها هدم الشريعة ونسخ الملة ، في سخف من القول وسذاجة من العقول ، وإظهار ذلك في قالب الكرامة والخوارق  ، ومحبة الصالحين إمعاناً  في الضلال ، وخوفاً من زوال حطام دنيا -بيعت بها الآخرة - يجنى من وراء تلك المشاهد والقباب والأحوال الشيطانية .
والحقيقة أن هذا المقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ولا يمكن أن نعطيه حقه في هذه العجالة  ، لكن هذه تذكرة وموعظة لكل موحد أن يحمد ربه على ما أنعم عليه وحباه من فضله العظيم ،  وأن يسأل ربه الثبات على التوحيد والسنة  ،وتذكرة وتحذيراً لكل من وقع في شراك إبليس وأعوانه فعليه أن يتوب إلى ربه قبل الفوات ، وأن يعرف الحق ويتبعه ، وأن يحذر من عوائد مألوفة استحكمت بها البلية وتمكنت بها الرزية ، فإن أعز شيء في الوجود وأصعب شيء على النفوس ترك تلك العوائد وهجرها إلا من فتح الله على قلبه وأقبل على ربه ، وآثر الباقي على الفاني ، هذا ونسأله سبحانه أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يلهمنا رشدنا  ، ويثبتنا على نهج الاستقامة ويحفظنا من موجبات الندامة (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ).

والحمد لله رب العالمين

 

دخول العضو