الجواب
* الجواب/ الصحيح جواز ذلك وهو ما يعرف عند المحدثين باختصار الحديث والاقتصار على الشاهد، وأول من صنع هذا هو سفيان الثوري، قال ابن المبارك: علمنا سفيان اختصار الحديث. أخرجه البغوي في الجعديات (1/274/ برقم1823).
ثم توسع فيه البخاري في (صحيحه) بصورة ظاهرة.
وقال أبو داود في رسالته لأهل مكة (ص24): ((وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرت لذلك)).
فهذا من أسباب الاختصار التي نص عليها أهل الحديث، فالاقتصار على الشاهد أولى ليفهم السامع المراد، وإن كان هناك من منع من الاختصار ولكن رأيه مرجوح.
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (ص128): (أما اختصار الحديث فالأكثرون على جوازه؛ بشرط أن يكون الذي يختصره عالماً؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه، بخلاف الجاهل فإنه قد ينقص ما له تعلق كترك الاستثناء).
وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم (1/49): ((الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث، جواز رواية بعض الحديث من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة في تركه سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا وسواء رواه قبل تاماً أم لا.
(ثم قال): وأما تقطيع المصنفين الحديث في الأبواب فهو بالجواز أولى بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء)) انتهى.
فالخلاصة أن الحديث إذا تضمن أكثر من حكم جاز تقطيعه في الأبواب والاستشهاد به كل في محله، فإذا كان تقطيع الحديث يبتر معناه أو يحيل معناه إلى معنى آخر غير مراد لم يجز ذلك، مثل إذا اختصر أحدهم حديث : ((نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار)).. فإن حذف بقية الحديث أحال الحكم وغيَّره. فالصواب أن يروى على وجهه ((نهى رسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدوا صلاحها)) وهكذا في كل حديث.
أما المثالان المذكوران: فلا أرى هناك مانعًا من اختصارهما والاستدلال بهما على أكثر من معنى، فالحديث الأول في شطره الأول: نهي للحاضر عن السمسرة للباد والبيع له، والشطر الثاني: كالتعليل للنهي المذكور في الشطر الأول، لكن لا يمنع أن يستشهد بالشطر الثاني على جميع أنواع البيوع المباحة بين الناس وعلى كل أنواع التعامل الجائز بكل صورة، بحيث لا تحتكر السلع في أوان رخصها ليرتفع ثمنها ثم تباع مثلاً.
أما الحديث الثاني فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلا أظن أن عاقلاً يقول ((حبب لي من دنياكم الطيب والنساء)) ويقيس نفسه بالحبيب صلى الله عليه وسلم. أما حكاية أحد الشطرين عنه صلى الله عليه وسلم للأخبار بحاله، فلا أرى مانعًا من ذلك. والله أعلم.
| التالي > |
|---|







