الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

3455431

حكم الغناء في الإسلام


الحمد لله الذي أنزل على عبده ونبيه القرآن الذي به تطمئن القلوب، والصلاة والسلام على رسوله الأمين المبعوث رحمةً للعالمين وبعد:

فإنه نظرًا للخلط الذي وقع أخيرًا في موضوع الغناء وآلات اللهو، وخشية التباس الحق بالباطل عند من لا علم لديه، فإن موقع الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها (سنن) يقدم هذا البحث نصحًا للأمة والله الموفق.

عَن عَبد الرحمن بن جبير بن نفير، عَن أبيه قال: " لما فتحت مدائن قُبْرُسَ وقع الناس يقتسمون السبى، ويفرقون بينهم، ويبكى بعضهم على بعض، فتنحى أبو الدرداء، ثم احتبى بحمائل سيفه فجعل يبكى، فأتاه جبير بن نفير، فقال: " ما يبكيك يا أبا الدرداء، أتبكى فِي يوم أعز الله فيه الإسلاَم وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله ؟!"، فضرب على منكبيه، ثم قال: " ثكلتك أمك يا جبير بن نفير، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى !! "([1]).

فسببُ المصائبِ والفتنِ كلها الذنوبُ، فالذنوبُ والمعاصي ما حلت في ديارٍ إلا أهلكتها، ولا في قلوبٍ إلا أعمتها، ولا في أجسادٍ إلا عذبتها، ولا في أمةٍ إلا أذلتها.

أترى ذلك يحدثُ لنا ؟، نعم.

لقد اشتكت الأرض إلى ربها وَحُقَّتْ، وضجت من الغناء والمعازف التي صارت كالهواء والماء، فلا يبدأ الإرسالُ إلا بالغناءِ والموسيقى، ولا ينتهي إلا بالغناءِ والموسيقى، ولا يكون التشجيعُ والحماسُ إلا بالغناءِ والموسيقى، ولا يكون الترويحُ عن النفسِ إلا بالغناءِ والموسيقى، ولا يجلبُ السائقون ولا أصحابُ المحلاتِ والمطاعمِ زبائنهم إلا بالغناءِ والموسيقى، ولا يصحُ النكاحُ إلا بالغناءِ والموسيقى؟.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: " والذي شاهدناه نحن وغيرُنا وعرفناه بالتجارب: أنه ما ظهرت المعازفُ وآلاتُ اللهوِ في قومٍ وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلطَ اللهُ عليهم العدوَ، وبلُوا بالقحطِ والجدبِ وولاةِ السوءِ، والعاقلُ يتأملُ أحوالَ العالمِ وينظرْ "([2]). أ. هـ.

من سَمِعَ الغناءَ ففيه ضلالٌ عن طريقِ الهدى

أنك لا تجدُ أحداً عنى بالغناءِ وسماعِ آلاتِهِ إلا وفيه ضلالٌ عن طريقِ الهدى علماً وعملاً، وفيه رغبةٌ عن استماع القرآن إلى استماعِ الغناءِ بحيث إذا عُرِضَ له سماعُ الغناءِ وسماعُ القرآنِ عدل عن هذا إلى ذاك، وثَقُلَ عليه سماعُ القرآنِ، وربما حمله الحالُ على أن يُسكِّتَ القارىءَ، ويستطيلَ قراءته، ويستزيدَ المغني، ويستقصرَ نوبته([3]).

حُبُّ الكتابِ وحُبُّ ألحانِ الغناءِ






في قلبِ عبدٍ ليس يجتمعانِ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان حال من اعتادَ سماعَ الغناءِ: " ولهذا من اعتاده واغتذى به لا يحنُ إلى القرآنِ، ولا يفرحُ به، ولا يجدُ في سماعِ الآياتِ كما يجدُ في سماع الأبياتِ، بل إذا سمعوا القرآنَ سمعوه بقلوبٍ لاهيةٍ، وأَلسُنٍ لاغيةٍ، وإذا سمعوا سماعَ المكاءِ والتصديةِ خشعتِ الأصواتُ، وسكنتِ الحركاتُ، وأصغتِ القلوبُ، وتعاطت المشروب "([4]). أ. هـ.

كم من عيونٍ تسكبُ الدموعَ للغناءِ لم تَفُضْ بقطرةٍ منها عند تلاوةِ كلامِ الرحمنِ، وكم من شابٍ تعلقَ قلبُه بمغنيةٍ فاجرةٍ يهتزُ فؤادُه كلما سَمِعَ صوتَها أو رأى صورتَها، وكم من فتاةٍ عفيفةٍ سمعتْ مطرباً فاجراً فاشتاقتْ إلى صوتِهِ وصورتِهِ، تتقلبُ في فراشها وهي تحتضنُ شريطَه أو مجلةً فيها صورتَه.

كَتَبَ الإِمَامُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه إلى مُؤَدِّبِ وَلَدِهِ: " لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَدَبِك: بُغْضَ الْمَلاهِي الَّتِي بَدْؤهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَعَاقِبَتُهَا سَخَطُ الرَّحْمَنِ جل وعز، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ الثِّقَاتِ مِنْ حملةِ الْعِلْمِ: أَنَّ حضورَ الْمَعَازِفِ وَاسْتِمَاعَ الأَغَانِي وَاللَّهَجَ بِهَا يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَنْبُتُ الماءُ الْعُشْبَ "([5]).

الغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَى

إن الغناءَ داعيةٌ الزنى، قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: " الغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَى"([6])، ورُقْيةُ الحيةِ: هي ما تُستخرج بها الحيةُ من جُحرها، ورُقْيةُ العينِ والحمة: هي ما تُستخرج به العافيةُ، ورُقْيةُ الزنى: هو ما يدعو إلى الزنا ويُخرج من الرجل هذا الأمر القبيح والفعل الخبيث كما أن الخمر أم الخبائث([7]).

قال يزيد بن الوليد، وهو الخليفة الثاني عشر من خلفاء بني أمية : " يا بني أمية إياكم والغناءِ؛ فإنه يُنقصُ الحياءَ، ويزيدُ في الشهوةِ، ويهدمُ المروءةَ، وإنه لينوبُ عن الخمرِ، ويفعلُ ما يفعلُ السَكَرُ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساءَ؛ إن الغناءَ داعيةٌ الزنى "([8]).

وكان مشهوراً عند العرب أن الرجل إذا أراد امرأةً على الفاحشةِ فأبت اجتهدَ أن يُسمعها صوتَ الغناءِ؛ فإن سمعتِ المرأةُ صوتَ الغناءِ لانتْ وهانتْ عليها الفاحشةُ.

قال خَالِدُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كُنَّا فِي عَسْكَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَمِعَ غَنَاءً مِنَ اللَّيْلِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بُكْرَةً، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَالَ: " إِنَّ الْفَرَسَ لَتَصْهِلُ فَيَسُوقُ لَهُ الرَّمَكَةُ، وَإِنَّ الْفَحْلَ ليهدرَ فَتَضْبَعُ لَهُ النَّاقَةُ، وَإِنَّ التَّيْسَ لينب فَتَسْتَحْرِمُ لَهُ الْعَنْزُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَغَنَّى فَتَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ "([9]).

فأيُّ رجلٍ بعدَ هذا يملكُ في نفسهِ شيئًا من الغيرةِ والرجولة يسمحُ لنسائهِ وبناتهِ إلى سماع هذا الغناء والخنا.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: " فلعمر الله كم من حرةٍ صارت بالغناء من البغايا ؟، وكم من حرٍ أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا ؟، وكم من غيورٍ تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا ؟، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا ؟، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا ؟، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا ؟، وكم جرع من غصةٍ، وأزال من نعمةٍ، وجلب من نقمةٍ، وذلك منه من إحدى العطايا ؟، وكم خبأ لأهله من آلامٍ منتظرةٍ، وغمومٍ متوقعةٍ، وهمومٍ مستقبلةٍ ؟، فسل ذا خبرةٍ ينبيك عنه لتعلم كم خبايا في الزوايا ؟، وحاذر إن شغفت به سهاماً مريشة بأهداب المنايا، إذا ما خالطت قلبا كئيباً تمزق بين أطباق الرزايا، ويصبح بعد أن قد كان حراً عفيف الفرج عبداً للصبايا، ويعطي من به يغني غناء وذلك منه من شر العطايا "([10]). أ. هـ.

الغناءُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في " إغاثة اللهفان "([11]) أن رجلاً قال لابن عباس رضي الله عنه: " ما تقول في الغناء أحلال هو أم حرام ؟ "، فقال: " لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله "، فقال: " أفحلال هو ؟"،فقال: " ولا أقول ذلك "، ثم قال له ابن عباس رضي الله عنه: " أرأيتَ الحقَ والباطلَ إذا جاءا يومَ القيامةِ فأين يكون الغناءُ؟ "، فقال الرجل: " يكون مع الباطل "، فقال له ابن عباس رضي الله عنه: " اذهبْ؛ فقد أفتيت نفسك ".

فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط والتشبيب بالأجنبيات وأصوات المعازف والآلات المطربات؛ فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول؛ فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته.

قال الإمام ابن رجب رحمه الله: " ولا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن لا سيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر به؛ فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكوا به النفوس، وتطهر به من أدناسها وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئاً من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوى به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها بأقوات القلوب الطاهرة والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى، واشتبه الأمر في ذلك أيضاً على طوائف من المسلمين ممن ينتسب إلى السلوك ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض الفاضلة "([12]). أ. هـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فَاعْلَمْ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عُنْفُوَانِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ ([13])لَا بِالْحِجَازِ، وَلَا بِالشَّامِ، وَلَا بِالْيَمَنِ، وَلَا مِصْرَ، وَلَا الْمَغْرِبِ، وَلَا الْعِرَاقِ ولا خراسان مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ مَنْ يَجْتَمِعُ عَلَى مِثْلِ سَمَاعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ لَا بِدُفِّ، وَلَا بِكَفِّ، ولا بقضيب، وَإِنَّمَا أُحْدِثَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا رَآهُ الْأَئِمَّةُ أَنْكَرُوهُ "([14]). أ. هـ.

تقسيمُ العلماءِ الشعرَ

قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } [الشعراء/224ـ 226].

" الْشُّعَرَاءُ " جمع شاعر، كجاهل وجهلاء وعالم وعلماء، و" الْغَاوُونَ " جمع غاو، وهو: الضالّ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة " يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ " يدلّ على أن إتباع الشعراء من إتِّباع الشيطان؛ بدليل قوله تعالى " إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ "، فإتباع الشعراء من إتِّباع الشيطان([15]).

يقسمُ العلماءُ الشعرَ إلى شعرٍ مباحٍ ومحرمٍ:

المباحُ: وهو شعرُ وصفِ الكونِ والتفكرِ في خلقِ اللهِ تعالى، وشعرُ الحجيجِ تشويقاً للقاءِ البيتِ الحرامِ، فإن أقواماً من الأعاجمِ يقدمون للحجِ فينشدون في الطرقاتِ أشعاراً يصفون فيها الكعبةَ، وزمزمَ، والمَقامَ، ومن الشعر المباح: شعرُ الزهدِ والفضائلِ، وأشعارُ العُرسِ الخاليةِ من البذاءةِ، وأشعارُ الجهادِ والغُزاةِ لتقويةِ النفسِ على لقاءِ العدوِ.

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: " ولا يُنكرُ الشعرَ الحسنَ من الشعرِ أحدٌ من أهلِ العلم ولا من أولي النهى، وليس أحدٌ من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قالَ الشعر وتمثلَ به أو سَمِعَه فرِضيَهُ، وذلك ما كان حكمةً أو مباحاً من القول، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإن كان ذلك فهو والمنشور من الكلام سواء، لا يحل سماعه ولا قوله " ([16]). أ. هـ.

ومن الشعرِ المحرم: أشعارُ النياحةِ على الأمواتِ، وأشعارُ السبِ والهِجاءِ، وأشعارُ المدحِ والفخرِ، والأشعارُ الشركيةِ التي فيها تسخطُ على القدرِ وطعنٍ في الدين.

مثل ما قال هذا المغبون الخاسر ( العندليب الأسود ):

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت






ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت






كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟، لست أدري

وقال :

يا ولدي قد مات شهيداً يا ولدي






قد مات شهيداً من مات فداءاً للمحبوب

ويقول:

قدرٌ أحمقُ الخطا








ومثل ما قال رفيقه في الحيرة موسيقار الأجيال:

جايين الدنيا ما نعرف ليه






ولا رايحين فين ولا عايزين أيه

وتقول كوكب الشر:

هل رأى الحب سكارى مثلنا؟






كم بنينا مـن خيـال حولنـا




كم بنينا مـن خيـال حولنـا



فأنتم سكارى العقول والقلوب والأرواح.

ومن الشعر المحرم: أشعارُ التغني والفحشِ ووصفِ النساءِ والعشقِ، وهذا الشعرِ المحرم المعروف في عصرنا بـ " الغناء "، وهو محرم ابتدأً وهو بمجرده فإن صحبته الآلاتُ والمعازفُ صار أشد تحريماً، فإن صحبه كشفُ عوراتٍ واختلاطٍ وتأوّه صار أشدُ تحريماً، فإن أُنفِقَت عليها الأموال، وضُيَّعت صلواتُ، ونُصبت القاعاتُ والحفلاتُ صار أشد تحريماً.

والغناء هو: رفع الصوت بالكلام الموزون المطرب المصحوب بالآلات الموسيقية.

والمعازف قال الإمام الذهبي رحمه الله في " سير أعلام  النبلاء ": " المعازفُ: اسم لكل آلات الملاهي التي يُعزف بها كالزمر، والطنبور، والشبابة، والصنوج "([17]). أ. هـ.

من كان في شك من تحريم الأغاني والمعازف فليُزل الشكَ باليقينِ من قول رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم في تحريمها، فالنصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدل على تحريمِ الأغاني، والوعيدِ لمن استحلَ ذلك أو أصر عليه، والمؤمنُ يكفيه دليلٌ واحدٌ من كتاب الله أو صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا تكاثرت وتعاضدت الأدلة على ذلك ؟!.

أدلة تحريم الغناء من القرآن الكريم

الدليل الأول: قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان/6].

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ([18]).

قَوْلُهُ " لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ " الْقَيْنُ: الْأَمَةُ مُغَنِّيَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، قَالَ التوربشتي: وَفِي الْحَدِيثِ: يُرَادُ بِهَا الْمُغَنِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُغَنِّيَةً فَلَا وَجْهَ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، " وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ " أَيْ: الْغِنَاءَ؛ فَإِنَّهَا رُقْيَةُ الزِّنَا،" وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ " قَالَ الْقَاضِي: النَّهْيُ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَجْلِ التَّغَنِّي، وَحُرْمَةُ ثَمَنِهَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهَا، " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ " أَيْ: يَشْتَرِي الْغِنَاءَ وَالْأَصْوَاتَ الْمُحَرَّمَةَ الَّتِي تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ([19]).

وفسر الصحابة " لَهْوَ الْحَدِيثِ " بأنه الغناء، وهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل القرآن، وهم أول من خُوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة فلا يُعدل عن تفسيرهم ما وُجِدَ إليه سبيلٌ.

ففسر الصحابة رضي الله عنهم " لَهْوَ الْحَدِيثِ " بأنه الغناء، فقد صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما أن " لَهْوَ الْحَدِيثِ " هو: الغناء والاستماع له.

وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ هو حَبْرُ الْأُمَّةِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، وَدَلِيلُ التَّأْوِيلِ الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِدَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ قَطْعًا أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ([20])، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه في هذه الآية: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ " قال: " " لَهْوَ الْحَدِيثِ " نزلت في الغناء وأشباهِه "([21]).

وابن مسعود وهو من أعلم الصحابة بالتفسير إن لم يكن أعلمهم على الإطلاق، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ  عَنْهُ: " وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ "([22]).

حلف عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه على أن المراد بـ " لَهْوَ الْحَدِيثِ ": " هو الغناء "، حلف بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء، عن عبد الله بن مسعود أنه سُئِلَ عنها، فقال: " الغناء، والذي لا إله             إلا هو " ([23]).

قال الإمام القرطبي رحمه الله: " قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، ومجاهد، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي.

قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء، وعن ابن عمر أنه الغناء، وكذلك قال عكرمة، وميمون بن مهران، ومكحول "([24]). أ. هـ.

الدليل الثاني: قال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء/64].

ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدرى كقوله تعالى { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم/83] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً وتسوقهم إليها سوقاً([25]).

ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية ولهذا فسر صوت الشيطان به ([26]).

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: " الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله " وَاسْتَفْزِزْ " وقوله " وَأَجْلِبْ " وقوله " وَشَارِكْهُمْ " إنما هي للتهديد، أي: افعل ذلك فسترى عاقبته الوخيمة كقوله " اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ "، وبهذا جزم أبو حيان في " البحر " وهو واضح كما ترى.

وقوله " اسْتَفْزِزْ " أي: استخف من استطعت أن تستفزه منهم، فالمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، والاستفزاز: الاستخفاف، " بِصَوْتِكَ " قال مجاهد: هو اللهو والغناء والمزامير، أي: استخف من استطعت أن تستخفه منهم باللهو والغناء والمزامير، وقال ابن عباس: صوته يشمل كل داع دعا إلى معصية؛ لأن ذلك إنما وقع طاعة له، وقيل " بِصَوْتِكَ " أي: وسوستك.

وقوله " وَأَجْلِبْ " أصل الإجلاب: السوق بجلبة من السائق، والجلبة: الأصوات، تقول العرب: أجلب على فرسه وجلب عليه إذا صاح به من خلف واستحثه للسبق، والخيل تطلق على نفس الأفراس وعلى الفوارس الراكبين عليها، وهو المراد في الآية "([27]). أ. هـ.

وقال الإمام القرطبي رحمه الله: " وفي الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو؛ لقوله: " وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ " على قول مجاهد، وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه، وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: " يا نافع أتسمع ؟ "، فأقول: " نعم "، فمضى حتى قلت له: " لا "، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا "، قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج على الاعتدال فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم ؟! " ([28]). أ. هـ.

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال/35].

قال ابن عباس والحسن: المكاء: الصفير، وهي في اللغة: اسم طائر أبيض يكون بالحجاز له صفير، كأنه قال: إلا صوت مكاء، والتصدية: التصفيق ([29]).

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: " وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه يصفران صفير المكاء، وهو طائر، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما؛ ليخلطوا على الرسول صلى الله عليه وسلم القراءة والصلاة، فنزلت، وسماها صلاة؛ لأنهم أقاموها مقام الدعاء والتسبيح أو كانوا يعملون كعمل الصلاة " ([30]). أ. هـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وأما سماع المكاء والتصدية، وهو: التصفيق بالأيدى، والمكاء مثل: الصفير ونحوه، فهذا هو سماع المشركين الذي ذكره الله تعالى في قوله " وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً " فأخبر عن المشركين أنهم كانوا يتخذون التصفيق باليد والتصويت بالفم قربة وديناً، ولم يكن النبي وأصحابه يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط، ومن قال: إن النبي حضر ذلك فقد كذب عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسنته "([31]). أ. هـ.

الدليل الرابع: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان/72].

قال الإمام الطبري رحمه الله: " وأصل الزور: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محسن لأهله حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضاً مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضاً قد يدخل فيه؛ لتحسين صاحبه إياه حتى يظن صاحبه أنه حق، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور.

فإذا كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئاً من الباطل لا شركاً ولا غناء ولا كذباً ولا غيره وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل "([32]). أ. هـ.

الدليل الخامس: قال تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم/59ـ61]

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: " ثم قال تعالى منكراً على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم " تَعْجَبُونَ " من أن يكون صحيحاً " وَتَضْحَكُونَ " منه استهزاء وسخرية " وَلا تَبْكُونَ " أي: كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم " وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ".

وقوله تعالى " وأنتم سامدون " قال سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: " الغناء هي يمانية، أسمد لنا: غن لنا "، وكذا قال عكرمة "([33]). أ. هـ.

الأدلة من السنة

لم يجتمع النبيُ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه على استماعِ غناءٍ قطُ لا بكفٍ ولا بدفٍ([34])، واعلم أن الأحاديثَ الواردةَ في تحريمِ الغناءِ كثيرةُ جداً فقد جاوز عددها العشرةُ، والتحريمُ ثابتُ عنه صلى الله عليه وسلم يقيناً.

الأول: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ ؟ "، قَالَ: " إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ، وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ "([35]).

الثاني: عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه قال: قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ ـ يَعْنِي: الْفَقِيرُ ـ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: " ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا "، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "([36]).

قَوْله " وَالْمَعَازِف " جَمْع مِعْزَفَة، وَهِيَ: آلَات الْمَلَاهِي، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيّ عَنْ الْجَوْهَرِيّ أَنَّ الْمَعَازِف: الْغِنَاء، وَاَلَّذِي فِي " صِحَاحه ": أَنَّهَا آلَات اللَّهْو، وَقِيلَ: أَصْوَات الْمَلَاهِي، وَفِي " حَوَاشِي الدِّمْيَاطِيّ ": الْمَعَازِف الدُّفُوف وَغَيْرهَا مِمَّا يُضْرَب بِهِ، وَيُطْلَق عَلَى الْغِنَاء عَزْف، وَعَلَى كُلّ لَعِب عَزْف، قَوْله " وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَام إِلَى جَنْب عَلَم " وَالْجَمْع أَعْلَام، وَهُوَ: الْجَبَل الْعَالِي، وَقِيلَ: رَأْس الْجَبَل، قَوْله " يَرُوح عَلَيْهِمْ " كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْفَاعِل، وَهُوَ الرَّاعِي بِقَرِينَةِ الْمَقَام؛ إِذْ السَّارِحَة لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حَافِظ، قَوْله " بِسَارِحَةٍ " الْمَاشِيَة الَّتِي تَسْرَح بِالْغَدَاةِ إِلَى رَعْيهَا وَتَرُوح، أَيْ: تَرْجِع بِالْعَشِيِّ إِلَى مَأْلَفهَا، قَوْله " يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ " قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: التَّقْدِير الْآتِي أَوْ الرَّاعِي أَوْ الْمُحْتَاج أَوْ الرَّجُل، قَوْله " فَيُبَيِّتهُمْ اللَّه " أَيْ: يُهْلِكهُمْ لَيْلًا، وَالْبَيَاتُ: هُجُوم الْعَدُوّ لَيْلًا، قَوْله " وَيَضَع الْعَلَم " أَيْ: يُوقِعهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ اِبْن بَطَّال: إِنْ كَانَ الْعَلَم جَبَلًا فَيُدَكْدِكهُ، وَإِنْ كَانَ بِنَاء فَيَهْدِمهُ وَنَحْو ذَلِكَ، قَوْله " وَيَمْسَخ آخَرِينَ قِرَدَة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " يُرِيد مِمَّنْ لَمْ يُهْلِك فِي الْبَيَات الْمَذْكُور أَوْ مِنْ قَوْم آخَرِينَ غَيْر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ " بَيَّتُوا "، قُلْت: وَالْأَوَّل أَلْيَق بِالسِّيَاقِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيث: وَعِيد شَدِيد عَلَى مَنْ يَتَحَيَّل فِي تَحْلِيل مَا يَحْرُم بِتَغْيِيرِ اِسْمه([37]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقد ثبت في " صحيح البخاري " وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف على وجه الذم لهم، وأن الله معاقبهم، فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف: هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات                         كلها "([38]). أ. هـ.

قوله " يَسْتَحِلُّونَ " صريح بأن المذكورات ـ ومنها: المعازف ـ هي في الشرع  محرمة فيستحلها أولئك القوم، وقرن " الْمَعَازِفَ " مع المقطوع حرمته الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها، فهذا يدل على تحريم آلات العزف والطرب.

إن العقوبة بما عُوقبت به الأممُ المتقدمةُ من قذفٍ ومسخٍ وخسفٍ إنما يكون لمن شاركهم فاستحل ما حرمه الله ورسوله، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".

قال الإمام ابن بطال رحمه الله: " وقد يجوز أن يكون الحديث على ظاهره فيمسخ الله من أراد تعجيل عقوبته كما قد خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل، وقد رأينا هذا عيانا فكذلك يكون المسخ، والله             أعلم "([39]). أ. هـ.

فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع في هذه الأمة ولا بد، وهو في طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دينه، والمجاهرين المتهتكين بالفسق والمحارم، ومن لم يمسخ منهم في الدنيا مسخ في قبره أو يوم القيامة([40]).

الثالث: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، وَنَأَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِي:            " يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا ؟ "، فَقُلْتُ: " لَا "، فَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: " كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا "([41]).

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: " إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج على الاعتدال، فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم ؟! "([42]). أ. هـ.

وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار، وقالوا: " لو كان حراماً لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ".

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: " وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار، وقالوا: " لو كان حراماً لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه، ومنع ابن عمر نافعاً من استماعه، ولأنكر على الزامر بها ".

قلنا: أما الأول فلا يصح؛ لأن المحرم استماعها دون سماعها والاستماع غير السماع، ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع، ولم يوجبوا على من سمع شيئاً محرماً سد أذنيه، وقال الله تعالى:{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص/55]، ولم يقل سدوا آذانهم، والمستمع هو الذي يقصد السماع ولم يوجد هذا من ابن عمر وإنما وجد منه السماع، ولأن بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه؛ لأنه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع أصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فأبيح للحاجة "([43]). أ. هـ.

الرابع: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ "([44]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء كما في اللفظ المشهور عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعوى بدعوى الجاهلية "، فنهى عن الصوت الذي يفعل عند النعمة كما نهى عن الصوت الذي يفعل عند المصيبة، والصوت الذي عند النعمة: هو صوت الغناء "([45]). أ. هـ.

اتفاق الأئمة الأربعة

الأئمة الأربعة متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف بل يحرم عندهم اتخاذها([46]).

قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: " وأما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع " ([47]). أ. هـ.



أقوال الأئمة الأربعة في تحريم الغناء

قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله

مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ الْمَذَاهِبِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَغْلَظُ الأَقْوَالِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُهُ بِتَحْرِيمِ سَمَاعِ الْمَلاهِي كُلِّهَا كَالْمِزْمَارِ وَالدُّفِّ حَتَّى الضَّرْبِ بِالْقَضِيبِ، وَصَرَّحُوا بأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ تُوجِبُ الْفِسْقَ، وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أنهم قَالُوا: " إنَّ السَّمَاعَ فِسْقٌ، وَالتَّلَذُّذَ بِهِ كُفْرٌ "، هَذَا لَفْظُهُمْ([48]).

قول الإمام مالك رحمه الله

سئل مالك رحمه الله عما رخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: " إنما يفعله عندنا الفسَّاق "، ونهى عن الغناء واستماعه([49]).

قول الإمام الشافعي رحمه الله

قد تواتر عن الشافعي أنه قال: " خلفتُ ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يُسمونه التغبيرُ يصدون به الناس عن القرآن "، فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو: شعر يزهد في الدنيا يغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه، فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر قد أشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم([50]).





قول الإمام أحمد رحمه الله

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإِمَامِ رضي الله عنهما: " سَأَلْت أَبِي عَنْ الْغِنَاءِ "، فَقَالَ: " الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ "([51]).

فتاوى العلامة ابن باز رحمه الله

حكم الغناء واجتماع الناس على آلات الملاهي والأغاني([52])

سؤالان وجها لسماحة الشيخ عن الغناء فأجاب عليهما وهما:

س1: ما حكم الأغاني هل هي حرام أم لا رغم أنني أسمعها بقصد التسلية فقط؟، وما حكم العزف على الربابة والأغاني القديمة ؟، وهل القرع على الطبل في الزواج حرام بالرغم من أنني سمعت أنها حلال ولا أدري؟. أثابكم الله وسدد خطاكم.

الجواب: إن الاستماع إلى الأغاني حرام ومنكر، ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد فسر أكثر أهل العلم قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } الآية: بالغناء، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقسم على أن لهو الحديث هو الغناء، وإذا كان مع الغناء آلة لهو كالربابة والعود والكمان والطبل صار التحريم أشد، وذكر بعض العلماء أن الغناء بآلة لهو محرم إجماعاً، فالواجب: الحذر من ذلك، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف "، والحر: هو الفرج الحرام، يعني: الزنا، والمعازف: هي الأغاني وآلات الطرب، وأوصيك وغيرك بسماع إذاعة القرآن الكريم، وبرنامج " نور على الدرب "؛ ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب.

أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح لمحرم في وقت من الليل للنساء، خاصة لإعلان النكاح والفرق بينه وبين السفاح كما صحت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما الطبل فلا يجوز ضربه في العرس بل يكتفي بالدف خاصة، ولا يجوز استعمال مكبرات الصوت في إعلان النكاح، وما يقال فيه من الأغاني المعتادة؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة والعواقب الوخيمة وإيذاء المسلمين، ولا يجوز أيضاً إطالة الوقت في ذلك بل يكتفي بالوقت القليل الذي يحصل به إعلان النكاح؛ لأن إطالة الوقت تفضي إلى إضاعة صلاة الفجر، والنوم عن أدائها في وقتها، وذلك من أكبر المحرمات، ومن أعمال المنافقين.

س2: ما حكم ما يتعاطاه بعض الناس من الاجتماع على آلات الملاهي كالعود والكمان والطبل وأشباه ذلك، وما يضاف إلى ذلك من الأغاني ويزعم أن ذلك مباح  ؟.

الجواب: قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذم الأغاني وآلات الملاهي والتحذير منها، وأرشد القرآن الكريم إلى أن استعمالها من أسباب الضلال واتخاذ آيات الله هزواً كما قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }، وقد فسر أكثر العلماء لهو الحديث بالأغاني وآلات الطرب وكل صوت يصد عن الحق، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف "، والمعازف: هي الأغاني وآلات الملاهي، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي آخر الزمان قوم يستحلونها كما يستحلون الخمر والزنا والحرير، وهذه من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم فإن ذلك وقع كله، والحديث يدل على تحريمها وذم من استحلها كما يذم من استحل الخمر والزنا، والآيات والأحاديث في التحذير من الأغاني وآلات اللهو كثيرة جداً، ومن زعم أن الله أباح الأغاني وآلات الملاهي فقد كذب وأتى منكراً عظيماً، نسأل الله العافية من طاعة الهوى والشيطان.

وأعظم من ذلك وأقبح وأشد جريمة من قال: إنها مستحبة، ولا شك أن هذا من الجهل بالله والجهل بدينه، بل من الجرأة على الله والكذب على شريعته، وإنما يستحب ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة لإعلانه والتمييز بينه وبين السفاح، ولا بأس بأغاني النساء فيما بينهن مع الدف إذا كانت تلك الأغاني ليس فيها تشجيع على منكر ولا تثبيط عن واجب، ويشترط أن يكون ذلك فيما بينهن من غير مخالطة للرجال، ولا إعلان يؤذي الجيران ويشق عليهم، وما يفعله بعض الناس من إعلان ذلك بواسطة المكبر فهو منكر؛ لما في ذلك من إيذاء المسلمين من الجيران وغيرهم، ولا يجوز للنساء في الأعراس ولا غيرها أن يستعملن غير الدف من آلات الطرب كالعود والكمان والرباب وشبه ذلك بل ذلك منكر، وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك من أدوات الحرب كالتدرب على استعمال الرماح والدرق والدبابات والطائرات وغير ذلك كالرمي بالمدافع والرشاش والقنابل وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله.

وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للفقه في دينه وتعلم ما ينفعهم في جهاد عدوهم والدفاع عن دينهم وأوطانهم، إنه سميع مجيب.

حكم الغناء([53])

قرأت في صحيفة عكاظ في العدد (6101 ) السبت 29 ربيع الثاني 1403 هـ في خبر مفاده: أن هناك مطرباً سعودياً اعتزل الغناء، وفي إحدى الرحلات الجوية بين القاهرة وباريس التقى هذا المطرب بأحد رجال الدين وتجاذب معه أطراف الحديث حول الغناء ومشروعيته، ولم ينزل المطرب من الطائرة إلا وقد أقنعه رجل الدين بمشروعية الغناء بالأدلة والبراهين وعاد، وقام بعدة أغان تعتبر باكورة إنتاجه.

هل الغناء مشروع في الإسلام وبالأدلة والبراهين أيضاً خصوصاً هذا النوع الخليع في الوقت الحاضر والمصحوب بالموسيقى؟.

ج ـ الغناء محرم عند جمهور أهل العلم، وإذا كان معه آلة لهو كالموسيقى والعود والرباب ونحو ذلك حرم بإجماع المسلمين، ومن أدلة ذلك: قول الله سبحانه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، فسره جمهور المفسرين بالغناء، وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقسم على ذلك، ويقول: " إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل "، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف " الحديث رواه البخاري في " صحيحه " معلقاً مجزوماً به، ورواه غيره بأسانيد صحيحة، والمعازف: هي الغناء وآلات اللهو، وبهذا يعلم أن هذا الذي  أفتى ـ إن صح النقل ـ بمشروعية الغناء قد قال على الله بغير علم، وأفتى فتوى باطلة سوف يسأل عنها يوم القيامة، والله المستعان.

حكم الاستماع إلى الأغاني([54])

س1: ما حكم الاستماع إلى الأغاني؟.

ج ـ  الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاص كثيرة وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق، والوقوع في الزنا والفواحش واللواط، ويجر إلى معاص أخرى كشرب المسكرات، ولعب القمار، وصحبة الأشرار، وربما أوقع في الشرك والكفر بالله على حسب أحوال الغناء واختلاف أنواعه، والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }، { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، قرئ " ليُضل " بضم الياء وقرئ " ليَضِل " بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما، واللام للتعليل، والمعنى: أنه بتعاطيه واستعاضته لهو الحديث ـ وهو الغناء ـ يجره ذلك إلى أن يضل في نفسه ويضل غيره، يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض فيضل عن الحق لتساهله بمعاصي الله ومباشرته لها وتركه بعض ما أوجب الله عليه مثل ترك الصلاة في الجماعة، وترك بر الوالدين، ومثل: لعب القمار، والميل إلى الزنا والفواحش واللواط إلى غير ذلك مما قد يقع بسبب الأغاني، قال أكثر المفسرين: " معنى لهو الحديث في الآية: الغناء "، وقال جماعة آخرون: " كل صوت منكر من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك كالمزمار، والربابة، والعود، والكمان، وأشباه ذلك، وهذا كله يصد عن سبيل الله، ويسبب الضلال والإضلال "، وثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم أنه قال في تفسير الآية: " إنه والله الغناء "، وقال: " إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل "، والآية تدل على هذا المعنى فإن الله قال: { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني: يعمي عليه الطريق كالسكران؛ لأن الغناء يسكر القلوب، ويوقع في الهوى والباطل فيعمى عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء، وامتلاء قلبه به، وميله إلى الباطل، وإلى عشق فلانة وفلان، وإلى صحبة فلانة وفلان، وصداقة فلانة وفلان، { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } معناه: هو اتخاذ سبيل الله هزواً، وسبيل الله: هي دينه، والسبيل تذكر وتؤنث، فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق الله لهواً ولعباً، وعدم المبالاة في ذلك، وإذا تلي عليه القرآن تولى واستكبر، وثقل عليه سماعه؛ لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي فيثقل عليه سماع القرآن، ولا يستريح لسماعه، وهذا من العقوبات العاجلة.

فالواجب على المؤمن: أن يحذر ذلك، وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب، وأنها وسيلة إلى شر كثير، وعواقب وخيمة، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه " إغاثة اللهفان " الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو، فمن أراد المزيد من الفائدة فليراجعه؛ فهو مفيد جداً.

والله المستعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

حكم الاستماع إلى الموسيقى([55])

الموسيقى وغيرها من آلات اللهو كلها شر وبلاء، ولكنها مما يزين الشيطان التلذذ به والدعوة إليه حتى يشغل النفوس عن الحق بالباطل، وحتى يلهيها عما أحب الله إلى ما كره الله وحرم، فالموسيقى والعود وسائر أنواع الملاهي كلها منكر، ولا يجوز الاستماع إليها، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف "، والحر: هو الفرج الحرام ـ يعني: الزنا ـ، والمعازف: هي الأغاني وآلات الطرب.

وأوصيك وغيرك من النساء والرجال بالإكثار من قراءة القرآن الكريم، والاستماع لبرنامج " نور على  الدرب "؛ ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب، وفق الله الجميع لكل ما يحب ويرضى إنه سميع مجيب.

حكمة تحريم الغناء

قال الإمام ابن رجب رحمه الله: " والمعنى المقتضي لتحريم الغناء: أن النفوس مجبولة على حب الشهوات كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران/14] الآية، فجعل النساء أول الشهوات المزينة، والغناء المشتمل على وصف ما جبلت النفوس على حبه والشغف به من الصور الجميلة يثير ما كمن في النفوس من تلك المحبة، ويشوق إليها، ويحرك الطبع ويزعجه، ويخرجه عن الاعتدال، ويؤزه إلى المعاصي أزاً، ولهذا قيل: " إنه رقية الزنا "، وقد افتتن بسماع الغناء خلق كثير فأخرجهم استماعه إلى العشق، وفتنوا في دينهم، فلو لم يرد نص صريح في تحريم الغناء بالشعر الذي توصف فيه الصور الجميلة لكان محرماً بالقياس على النظر إلى الصور الجميلة التي يحرم النظر إليها بالشهوة بالكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من علماء الأمة؛ فإن الفتنة كما تحصل بالنظر والمشاهدة فكذلك تحصل بسماع الأوصاف واجتلائها من الشعر الموزون المحرك للشهوات، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه و سلم أن تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها؛ لما يخشى من ذلك من الفتنة، وقد جعل النبي صلى الله عليه و سلم زنا العينين النظر، وزنا الأذنين الاستماع، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: " ثلاث فاتنات مفتنات يكببن في النار: رجل ذو صورة حسنة فاتن مفتون به يكب في النار، ورجل ذو شعر حسن فاتن مفتون به يكب في النار، ورجل ذو صوت حسن فاتن مفتون به يكب في النار " خرجه حميد بن زنجويه في " كتاب الأدب "

القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلآت اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى وتحريك القلوب إلى محبته والأنس به والشوق إلى لقائه وهذا هو الذي يدعيه كثير من أهل السلوك ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم وانما يتستر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه من نيل لذته فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد وأما الصادقون في دعواهم ذلك وقليل ما هم فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله عزوجل بما لم يشرعه الله تعالى واتخذوا دينا لم يأذن الله فيه

فلهم نصيب ممن قال الله تعالى فيه وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصديه والمكاء الصفير والتصدية التصفيق باليد كذلك قاله غير واحد من السلف وقال تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله.



كيفية التخلص سماع من الأغاني



لسان حال بعضكم: " كيف أتخلص من سماع الأغاني؟ ".

أولاً: التوبة النصوحة والإنابة إلى الله عز وجل.

ثانياً: التخلص من جميع شرائط الأغاني التي في حوزتك.

ثالثاً: المواظبة على الفرائض، والمداومة على ذكر الله تعالى؛ لذلك قال الحسن البصري رحمه الله: " إن القلوب تموت وتحيا، فإذا هي ماتت فاحملوها على الفرائض، فإذا هي أحييتْ فأدبوها بالتطوع "([56]).

رابعاً: الابتعاد عن مكان المعصية، وإيجاد الرفقة الصالحة، روى مسلم في " صحيحه " ([57])عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ في قصة الذي قتل مائة نفس، وفيه: " وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ".

خامساً: كثرة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان إن حرم العون من الله فإنه محروم.

سادساً: عليك أن تشغل نفسك بما ينفعك في دينك ودنياك وأن تكثر من الأعمال الصالحة، فإن النفس إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

سابعاً: أن تختار من الرفقاء الصالحين من يعينك على نفسك ويكون بديلاً عن رفقاء السوء.

ورحم الله من قال:

إذا كنتَ في قومٍ فصاحِب خِيارَهم






ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدِي

عن المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قرينهِ






فكلُّ قرينٍ بالمقارَن يقتدِي

ثامناً: المدوامة على قراءة القرآن يومياً خصوصاً قراءة الآيات المخوفة للمذنبين، قال الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد/16].

بَرِئْنَا إلَى اللَّهِ مِنْ مَعْشَرٍ







بِهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الْغِنَا



وكَمْ قُلْت يَا قَوْمُ أَنْتُمْ عَلَى







شَفَا جُرُفٍ مَا بِهِ مِنْ بِنَا



شَفَا جُرُفٍ تَحْتَهُ هُوَّةٌ







إلَى دَرَكٍ كَمْ بِهِ مِنْ عَنَا



وَتَكْرَارُ ذَا النُّصْحِ مِنَّا لَهُمْ







لِنُعْذَرَ فِيهِمْ إلَى رَبِّنَا



فَلَمَّا اسْتَهَانُوا بِتَنْبِيهِنَا







رَجَعْنَا إلَى اللَّهِ فِي أَمْرِنَا



فَعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ الْمُصْطَفَى







وَمَاتُوا عَلَى تنتنا تنتنا([58])







تم ولله الحمد من الإعداد العلمي لموقع الجمعية العلمية السعودية (سنن)

([1]) إسناده جيد. " سنن سعيد بن منصور " (2/290،291)، وأحمد في " الزهد " (1/142)، وغيرهما.

([2]) " مدارج السالكين " (1/500).

([3]) " إغاثة اللهفان " (1/241).

([4]) " مجموع الفتاوى " (11/568).

([5]) انظر: " تلبيس إبليس " (ص289)، " المدخل " لابن الحاج (3/105)، " إغاثة اللهفان " (1/250).

([6]) " شعب الإيمان " (4/280).

([7]) " مجموع الفتاوى " (15/314).

([8]) " شعب الإيمان " (4/280).

([9]) " إغاثة اللهفان " (1/246).

([10]) " إغاثة اللهفان " (1/247).

([11]) " إغاثة اللهفان " (1/243).

([12]) " نزهة الأسماع " (ص 69،70).

([13]) في " الصحيحين " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ: قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ            يَلُونَهُمْ ".

([14]) " مجموع الفتاوى " (11/569).

([15]) " أضواء البيان " (6/104).

([16])  " التمهيد " (22/194).

([17]) " سير أعلام النبلاء " (21/158).

([18]) رواه الترمذي (1282)، وابن ماجه ( ح 2168)، وحسنه الألباني رحمه الله.

([19]) " تحفة الأحوذي " (4/419).

([20]) رواه البخاري ( ح 143)، ومسلم ( ح 2477) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

([21]) " سنن البيهقي الكبرى " (10/221).

([22]) رواه البخاري ( ح 5002)، ومسلم ( ح 2463).

([23]) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (4/368)، وصحح إسناده ابن حجر في " التلخيص الحبير " (4/200).

وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (2/445)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (4/278)، وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي، قال الألباني رحمه الله في " السلسلة الصحيحة " (6/ 1015): " وهو كما قالا ".

([24]) " تفسير القرطبي" (14/51،52) باختصار يسير.

([25]) " تفسير ابن كثير " (3/50).

([26]) " إغاثة اللهفان " (1/255).

([27])  " أضواء البيان " (3/168،169) باختصار يسير.

([28]) " تفسير القرطبي " (10/290).

([29]) " تفسير البغوي " (2/247).

([30]) " تفسير العز بن عبد السلام  " (1/535،536).

([31])  " مجموع الفتاوى " (11/562،563).

([32]) " تفسير الطبري " (19/49).

([33]) " تفسير ابن كثير " (4/260 ).

([34]) " مجموع الفتاوى " (11/296).

([35]) رواه الترمذي ( ح 2212) وغيره، وصححه الألباني رحمه الله ـ

([36]) روى البخاري في " صحيحه " معلقاً بصيغة الجزم، بَاب " ما جاء فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ "، ووصله أبو داود وغيره بسند صحيح، و قد ضعفه ابن حزم بدون حجة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وَالْحَدِيث صَحِيح مَعْرُوف الِاتِّصَال بِشَرْطِ الصَّحِيح ". انظر: " فتح الباري " (10/52)

([37]) " فتح الباري " (10/55،56).

([38]) " مجموع الفتاوى " (11/535).

([39])  " شرح صحيح البخاري " لابن بطال  (6/52،53).

([40]) " إغاثة اللهفان " (1/345).

([41]) رواه أبو داود ( ح 4924)، وغيره. وصححه الألباني رحمه الله.

([42]) " تلبيس إبليس " (1/286).

([43]) " المغني " (10/173).

([44])  " مسند البزار " (14/62)، ورواته ثقات.

([45])" الاستقامة " (1/292،293).

([46]) " منهاج السنة النبوية " (3/439).

([47])  " فتاوى ابن الصلاح " (2/500).

([48]) " إغاثة اللهفان " (1/227).

([49]) " المدخل " (3/101)، " تفسير القرطبي " (14/55)، " شرح صحيح البخاري " لابن بطال (9/72).

([50]) " إغاثة اللهفان " (1/229).

([51]) " مسائل أحمد بن حنبل " رواية ابنه عبد الله (1/316)، " العلل ومعرفة الرجال " (2/76)، " غذاء الألباب شرح منظومة الأداب " (1/118).

([52]) " مجموع فتاوى ابن باز " (3/423 ـ 426).

([53]) " مجموع فتاوى ابن باز " (21/148،149).

([54]) " مجموع فتاوى ابن باز " (21/149ـ 152).

([55]) " مجموع فتاوى ابن باز " (21/152،153).

([56]) " الزهد " لأحمد (1/267).

([57])  " صحيح مسلم " (ح 2766).

([58]) " إغاثة اللهفان " (1/226).

 

دخول العضو