الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

6455431

ثمرات الإيمان باسم الله " التَّوَّابُ "

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ....

قال تبارك وتعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [التوبة: 104] .

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله : " وتأويل قوله " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه .

وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربه : إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيماً مما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه " . أ . هـ . " تفسير الطبري " (1/246).

توبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة؛ فإنه تاب عليه أولاً إذناً وتوفيقاً وإلهاماً، فتاب العبد فتاب الله عليه، ثانياً قبولاً وإثابة، قال الله سبحانه وتعالى : { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [التوبة: 117،118]، فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سبباً ومقتضياً لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم، والحكم ينتف لانتفاء علته، .....، والعبد تواب والله تواب، فتوبة العبد : رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان : إذن وتوفيق، وقبول وإمداد " . أ . هـ . " مدارج السالكين " (1/312،313) باختصار

وكذلك التواب من أوصافه



والتوب في أوصافه نوعان


إذن بتوبة عبده وقبولها



بعد المتاب بمنة المنان


" النونية " لابن القيم رحمه الله (2/231)

من ثمرات الإيمان باسم الله " التَّوَّابُ "

1) إن الله تبارك وتعالى هو " التَّوَّابُ " الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى الله توبة نصوحاً تاب الله عليه وقبله .

فهو التائب على التائبين أولاً بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولاً لها وعفواً عن خطاياهم .

فهو سبحانه يوفق عباده للتوبة ويقبلها منهم، ويثيبهم عليها، فسبحان التواب الرحيم، الجواد الكريم .

سمى الله سبحانه نفسه تواباً؛ لأنه خالق التوبة في قلوب عباده، وميسر أسبابها لهم، والراجع بهم من الطريق التي يكره إلى الطريق التي يرضى، وسمى نفسه أيضاً " تواباً "؛ لقبوله توبة من يرجع إليه .

ومن القسم الأول : قوله تعالى : { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [التوبة: 118]، ومن القسم الثاني : قوله تعالى : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المائدة: 39]، فبهذين القسمين سمى نفسه تواباً .

ولما كانت المعاصي متكررة من عباده جاء بصيغة المبالغة؛ ليقابل الخطايا الكبيرة بالتوبة الواسعة، ووصفه بأنه " التواب " مبالغة؛ لكثرة من يتوب عليه، ولتكريره ذلك في الشخص الواحد حتى يقضي عمره، وإذا تقرر أن وصفه سبحانه بـ " التَّوَّابُ " خلقه التوبة للعبد وقبولها منه كما قال : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } [الشورى: 25] أي : يقبل توبتهم .

2) إن الله تعالى هو المتفرد بقبول توبة التائبين من عباده لا يشركه في ذلك أحد من خلقه، ولا يغفر الذنوب والخطايا إلا هو .

قال الإمام القرطبي رحمه الله : " اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافاً للمعتزلة ومن قال بقولهم، وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه .

قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئاً ويحط عنه ذنوبه افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " . أ . هـ . " تفسير القرطبي " (1/326)

وهو ما يسمى بـ " صكوك الغفران " !! وهي من ضلالاتهم الكثيرة التي أضلوا بها الناس، وأكلوا بها أموالهم بالباطل دهوراً طويلة كما قال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [التوبة: 34] .

فليس لأحد من خلق الله تعالى ـ ملكاً كان أو رسولاً ـ سلطان في محو الذنب أو ستره أو تلقي الاعتراف بالذنب سوى الرب التواب سبحانه وتعالى إلا الشفاعة، وهي من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى من عباده .

وفي تقرير هذا : يقول سبحانه وتعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } [آل عمران: 135] .

وفي الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :

عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي "، قَالَ : " قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  " . رواه البخاري

وفي الآية الكريمة وهذا الدعاء إقرار الوحدانية له في التوبة؛ إذ معناها : أنه لا يفعل هذا إلا أنت فافعله لي .

هذا، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين .

 

دخول العضو