الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

3145811

محاسبةُ النفسِ

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " وقد دل على وجوب محاسبة النفس : قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ " [الحشر/18]، يقول تعالى : لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال أمن الصالحات التي تنجيه أم السيئات التي توبقه ؟، قال قتادة : " ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد " .

والمقصود : أن صلاح القلب بمحاسبة النفس وفساده بإهمالها والاسترسال معها " . أ . هـ . " إغاثة اللهفان " (1/84).

قال الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله : " قلت : " رحمك الله ما الورع ؟ "، قال : " المجانبة لكل ما كره الله عز وجل من مقال أو فعل بقلب أو جارحة، والحذر من تضييع ما فرض الله عز وجل عليه في قلب أو جارحة "، قلت : " وبماذا ينال ؟ "، قال : " بالمحاسبة "، قلت : " وما المحاسبة ؟ "، قال : " التثبت في جميع الأحوال قبل الفعل، والترك من العقد بالضمير أو الفعل بالجارحة حتى يتبين له ما يترك وما يفعل، فإن تبين له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه، وكف جوارحه عما كره الله عز وجل، ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه " . أ . هـ . " المكاسب " (ص 51).

محاسبة النفس على الأعمال السالفة والمستأنفة

قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله : " أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس في ما سلف في الأعمال وفيما يستقبل منها، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله سبحانه وتعالى .

فأما المحاسبة في الماضي : فبأن ينظر في التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح والأعضاء فيعتبرها عضواً عضواً وطاعة طاعة، فإن سلم جميع ذلك بأركانه وشرائطه وأوقاته وأسبابه فليحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك؛ فإنه من أكمل نعمة الله تعالى على عباده .

والأولى به : أن يحاسب نفسه من ليل إلى ليل فما رآه من تقصير في يومه ذلك فليتداركه بالتوبة والاستغفار، وكذلك كان يصنع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وإن وجد في أعمال يومه ظلامه فليردها من وقته على أهلها إن أمكن ذلك، وإلا فليعزم على ردها على حسب إمكانه .

وأما المحاسبة في المستأنف : فلينظر إذا خطر له إقدام على فعل أو إحجام عنه فإن كان ذلك الفعل سيئة أحجم عنه وعن العزم عليه، وليغيبه عن خاطره ما استطاع، فإن مالت إليه نفسه واشتدت شهوته فليجاهدها بصرفها عنه وخلاصها منه، فإن غلبته وعزمت عليه فليجاهدها في الإقلاع عن عزيمتها والاستغفار منها، فإن غلبته نفسه العاصية الأمارة بالسوء ففعل ذلك فليبادر إلى التوبة، وهي : الندم على ما فاته من طاعة الله تعالى، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك في المستقبل، والإقلاع عن المعصية إن كان ملابسها في الحال، فإن أخر التوبة أثم بتأخيرها عن كل وقت يتسع لإيقاعها فيه، فإن أبت نفسه عن الإقلاع فليحذرها بما يفوتها من ثواب الله سبحانه وتعالى وبما تعرضت له من عقاب الله تعالى، ويستمر على تخويفها بذلك إلى أن يحصل الخوف الموجب للتوبة والاستغفار من الحوبة " . أ . هـ . " مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل  " (ص 18،19)

محاسبة النفس نوعان

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " ومحاسبة النفس نوعان : نوع قبل العمل، ونوع بعده .

فأما النوع الأول : فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه، قال الحسن رحمه الله : " رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر "، وشرح هذا بعضهم فقال : إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف أولاً ونظر هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع ؟، فإن لم يكن مقدوراً لم يقدم عليه وإن كان مقدوراً وقف وقفة أخرى ونظر، هل فعله خير له من تركه أو تركه خير له من فعله ؟، فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق فإن كان الثاني لم يقدم عليه، وإن أفضى به إلى مطلوبه لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا ؟، فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبي عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليقدم عليه، فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح .

فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدوراً له ولا كل ما يكون مقدوراً له يكون فعله خيراً له من تركه ولا كل ما يكون فعله خيراً له من تركه يفعله لله ولا كل ما يفعله لله يكون معاناً عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه وما يحجم عنه .

النوع الثاني : محاسبة النفس بعد العمل .

وهو ثلاثة أنواع :

أحدها : محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور تقدمت، وهي : الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله .

فيحاسب نفسه : هل وفى هذه المقامات حقها ؟، وهل أتى بها في هذه الطاعة .

الثاني : أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً له من فعله .

الثالث : أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد لم فعله ؟، وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون رابحاً أو أراد به الدنيا وعاجلها ؟، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به " . أ . هـ . " إغاثة اللهفان " (1/81،82)

هذا، وصل الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين .

 

دخول العضو