بيان حول غزة حرسها الله
بيان حول العدوان اليهودي على غزة حرسها الله
لرئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها
فضيلة الشيخ الدكتور عبدالعزيز بن محمد السعيد
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد فإن اليهود قوم غضب الله عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، وكتب عليهم الذلة والصغار إلى يوم القيامة بما كسبت أيديهم ؛ فقد عطلوا الله عن صفاته ، ورموه بالنقائص والعظائم ، فقالوا : يد الله مغلولة ، وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، وقالوا عزير ابن الله ، ونصبوا العداوة لملائكته ، وكفروا بالمرسلين وكذبوهم وآذوهم في أبدانهم وأعراضهم ، وقتلوهم ورموهم بالفواحش ، وحرفوا كتاب الله وكتموه واشتروا به عرضا قليلا من الدنيا ، واستعاضوا عنه بالسحر والكهانة ، وكانوا ينقضون العهود والمواثيق ، ويتعنتون في أسئلتهم ؛ لأنهم لايقصدون الحق ، ولايطلبون الهداية ، وإنما هو محض الاستكبار والعناد، وقد سلكوا أخبث الطرق في إثارة الفتن ، وتأجيج الحروب ، والسعي في الأرض بالفساد ، والتلذذ بسفك الدماء ، وقتل الأبرياء ، وظلم العباد واستذلالهم ، مع الغدر والخيانة والحسد والنفاق وقسوة القلب وكتم الحق ، بل إنك لاتكاد تجد خلة حرمتها الشرائع ، ونبذها أصحاب العقول ، ونفرت منها الفطر السليمة، إلا وهم أربابها ، المستمسكون بها ، وجماع ذلك كله قوله تعالى : ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) . ولما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروا نبوته ، مع أنهم موقنون بأنه النبي الذي بشر الله به في التوراة ، وطابقت صفاته ما فيها ، كما قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) ، ولم يؤمن به إلا قليل منهم . روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) وطالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمطالب متعنته ، وسألوه أسئلة مكابرة وعناد ؛ قصدا منهم ؛ لإظهاره عليه الصلاة والسلام بمظهر العاجز كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله : ( وقال الذين لايعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) ، وفي قوله : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) ، وفي قوله : ( يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي ) ، وفي قوله : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) . بل ذهبوا إلى أبعد من هذا ؛ فحاولوا التشكيك في دعوته ، وإبطال رسالته ، وصد الناس عن دينه ، فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود : إن كانت القبلة الأولى على حق فلم تركها المسلمون ، وإن كانت على باطل فعبادتهم السابقة باطلة ، ولو كان محمد نبيا ما ترك قبلة الأنبياء قبله ، فرد الله عليهم ذلك فقال جل شأنه : ( سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .وكان الاستهزاء بالإسلام ديدنهم ، والتهكم بشعائره مستطابهم ، والسخرية بالرسول والمؤمنين وإيذاؤهم شعارهم ، وإثارة الفتنة بين المؤمنين والتحريش بينهم مطلبهم ، والقضاء على الرسول غايتهم ، فسحقا لهم ، ولبئس ما كانوا يصنعون .
لقد كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية حروب طاحنة ، فجمع الله قلوبهم الإسلام ، فأصبحوا بنعمته إخوانا، فذكرهم يهودي ماكانوا عليه في الجاهلية ، ومن غلبة الأوس للخزرج يوم بعاث ، حتى قال بعضهم : السلاح السلاح ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وذكرهم بنعمة الله عليهم ، حتى بكوا وعانق بعضهم بعضا ، وأنزل الله في هؤلاء اليهود ( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات والله شهيد على ما تعملون يا هل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون ) .
وكانوا ـ لعنهم الله ـ يظهرون أنهم يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : السام عليك ، وهو دعاء عليه بالموت . وكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام : ( اسمع غير مسمع ) أي اسمع لا سمعت . دعوا عليه بالموت أو بالصمم ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، هذا ماأرادوه في الباطن ، وفي الظاهر للأسماع أنهم قصدوا تعظيمه ، وهو المذكور في قوله تعالى : ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ) .
وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبني النضير من اليهود عهد ، فلما جاء إلى ديارهم ، انتهزوا الفرصة ، فتآمروا على أن يلقوا عليه الرحى من أعلى فجاءه جبريل فأخبره ، ثم أنزل الله ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) . ولما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم خيبر أهديت له شاة فيها سم ، فلما لاك منها مضغة لفظها ، وجمع اليهود وسألهم أجعلتم في هذه الشاة سما ؟ قالوا : نعم ، قال فما حملكم على ذلك ؟ قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .
هذا طرف من أحوال اليهود وضلالاتهم ، فما أسفهها من أمة ، وما أشد عداءها لأنبياء الله وأوليائه ، وهذا موقفهم من الإسلام ونبيه المبعوث رحمة للعالمين .
وقد حفظ التأريخ لليهود سجلا مليئا بالإجرام ، ونعوت الخسة والدناءة والفساد ، ولاتزال هذه الأمة في طغيانها ، وإن الذي جرى ويجري على إخواننا المسلمين في غزة من قبل اليهود أعداء ورسوله والمؤمنين بل وأعداء الإنسانية لهو سلسلة متصلة بجرائم اليهود في قديم الدهر وحديثه ، تنبعث من أنفس خبيثة حاقدة ، تأصل فيها الإجرام ، واستطابت سفك الدماء، وضربت بالقيم والعهود عرض الحائط ، ديدنهم المكر والخيانة ، وقلوبهم منطوية على الغل والحسد ، والسعي في الأرض بالفساد ملازم لهم ملازمة الظل لصاحبه ، لايرعوون عن الباطل ، ويتكبرون على الحق ، ولايستحيون من الخلق ، قلوبهم كالحجارة أوأشد قسوة ، وشواهد هذا في التنزيل الحكيم كثيرة جدا .
وما يمارسونه اليوم على أرض فلسطين ، وخصوصا على أرض غزة إنما هو قليل من كثير مما يحملونه من عداء للمسلمين ، وهو عداء ديني محض ، وتدمير المساجد على أهلها أكبر شاهد على هذا ، وصدق الله إذ يقول : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شهيد) ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) ، ولن ينفكوا عن هذا مااستمسك المسلمون بدينهم كما ذكر الله ذلك في التنزيل ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) .
أيتصور عاقل أن تسباح الحرمات ، وتسفك الدماء ، على أرض قد وهن أهلها بسبب الحصار الذي امتد شهورا، في ليل دامس ، وبرد قارس ، وطعام قليل ، قد عزلوا عن العالم وعزل عنهم ، والتهب سماء المدينة بنيران الصواريخ والقنابل التي يطلقها العدو ـ لعنهم الله وأخزاهم ـ من البر والبحر والجو ، فمن لم تصبه أفزعته ، ومن جاوزته هذه أصابته تلك ، فاكتحلوا السهر ، وتحلسوا الخوف ، وخرت عليهم السقف ، وعم الهلع والفزع ، وافترشوا الأرض والتحفوا السماء ، وأظلمت الدنيا في وجوههم ، وقل الناصر إلا صيحات هنا وهناك ، وكأنهم ليسوا من البشر ، أو أمة من الأمم ، والعدو يجوس خلال الديار ، يتوعد ويتهدد ، ويقتل ويأسر ، ويمثل ويشرد ، فأين المنظمات العالمية التي تزعم الحفاظ على حقوق الإنسان ؟ وأين الدول الكبرى الداعية للحرية ـ زعموا ـ عن هذا الإرهاب الذي لايختلف فيه عاقلان ؟ والمذابح قد اشتد سوقها ، ووسائل الإعلام في العالم تنقل هذه المجازر ، وكأنما تنشر خيالا لاحقيقة له ؛ لهول المصيبة ، وعظم الخطب ، وبشاعة المنظر ، مما لايكاد عاقل أن يصدقه ؛ لولا التواتر بحصوله . فحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول ولاقوة إلا به!
ولاشك أن هذه الجرائم أرقت المسلمين في أصقاع الأرض ، فتألمت قلوبهم ، وذرفت عيونهم ، وتحركت مشاعرهم نحو إخوانهم المستضعفين في غزة من الرجال والنساء والولدان الذين لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا ؛ فإنهم عضو في جسد الأمة ، ولبنة في بنيانها ، وعقد الأخوة ولوازمه في ذمة كل مؤمن ( إنما المؤمنون إخوة ) وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . رواه الشيخان . وقال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه ) متفق عليه من حديث أبي موسى رضي الله عنه
ولئن كانت هذه الجرائم مؤلمة للمسلمين فإنه لايجوز أن ينفرط عقدهم ، ولاييأسوا من نصر الله ، ولايهنوا ولايحزنوا وهم الأعلون ، والله يدافع عنهم ، ووعد بنصرهم إن استقاموا على الطريق ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )
فنوصي إخواننا في فلسطين وغزة بالصبر ، والثبات ، وحسن الظن بالله ، والاعتصام بحبله ، والالتجاء إليه وحده ، والتوكل عليه ، ودعاؤه والإلحاح في ذلك، ومجانبة التفرق والاختلاف ، والنظر الشرعي المصلحي للأمور وعواقبها في السلم والحرب، فهذا ـ بإذن الله ـ سبيل النصر على العدو ، كما وعد الله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ، ونذكر إخواننا بقوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) ، وقوله : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولايدر بأسنا علن القوم المجرمين ) .
وأنتم أيها المؤمنون في بقاع الأرض عليكم نصرة إخوانكم في غزة ، ومد يد العون لهم ، والعطف عليهم ، ومواساتهم في محنتهم ، كما تقتضيه الإخوة الإيمانية ، وتستدعيه النصوص الشرعية ؛ فإنهم في يومهم هذا أحوج مايكونون إلى إخوانهم المسلمين ، وذاك طريق لمغفرة الذنوب والتجاوز عن السيئات ، وإقالة العثرات ، ورفعة الدرجات ، وحفظ العبد في دينه ونفسه وأهله وماله ( ولايأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم )، وأكثروا من دعاء الله بالنصر والتسديد والحفظ لإخوانكم في تلك البقاع ، والهزيمة والهلاك لليهود وأشياعهم ؛ فإن الدعاء سلاح المؤمن ، وهو ـ مع الصدق والإخلاص ـ أعظم من كل سلاح ، وأمضاه .
نسأل الله جل وعلا أن يثبت إخواننا في غزة وينصرهم على اليهود الظالمين ، , ويجمع كلمتهم الحق ، ويسدد سهامهم وآراءهم، وينزل عليهم سكينة من عنده ، ويرحم موتاهم، ويشفي جرحاهم ، ويسلم أحياءهم ، ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم ، ونسأله ـ جل وعلا ـ أن يشدد وطأته على اليهود ،ويجعل بأسهم بينهم شديدا ، ويمزقهم كل ممزق ، إنه على كل شيء قدير .
كما نسأله ـ جل وعلا ـ أن يوفق المسلمين حكاما ومحكومين لنصرة إخوانهم في غزة ، والوقوف معهم ، والانتصار لهم ؛ ابتغاء وجه الله . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
5 / 1 / 1430 هـ





