الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

1436963

إسعاف الناسك بحكم النفر من منى قبل إتمام المناسك


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، ورضي الله عن أصحاب النبي الأبرار ، وآل بيته الأخيار الأطهار ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد ............
فإنه في كل موسم من مواسم حج بيت الله الحرام تتجدد قضايا ، وتنشأ مسائل يكثر السؤال عنها ، ويغدوا الناس في حيرة من أمرهم في غالب الأحيان ، لعدم وجود إجابة شافية لما يعن لهم من قضايا ومسائل ، وما ذلك إلا لكثرة مسائل الفروع في الحج وتشعبها وندرة من يحيط بها ، مع التباعد الزمني في أدائها ، فإنها لا تفعل في السنة إلا مرة واحدة ، فضلا عن أنها عبادة نظرية وتطبيقية في نفس الوقت ، فلا يتمكن الفقيه من أحكامها كمال التمكن إلا بعد مباشرة المناسك بنفسه مرة بعد مرة ، ومخالطة أهل العلم الذين اعتنوا بالمناسك قديما وحديثا ، وعلى الباحث في مثل هذه الحالات أن يلتزم المنهج العلمي في إصدار الأحكام ، ولا يتبع في ذلك ما تميل نفسه إليه دون دليل أو برهان ، ولا يخضع بحثه إلا لموازين الشرع التي تقضي بإعمال النصوص الشرعية ( الكتاب والسنة ) ثم من بعدهما الإجماع والقياس ، ويتتبع في سبيل الوصول إلى ذلك نصوص الكتب الفقهية المعتمدة ، ليعرف الأشباه والأمثال ، فيستخرج الحكم الشرعي بحيادية وموضوعية إلى حد كبير .
ومن المسائل التي كثر الجدل حولها ، حكم نفر الموكل العاجز عن الرمي قبل الزوال ، أو قبل رمي وكيله عنه أو قبلهما معا ، فمن قائل بأنه لا بأس بذلك لعدم وجود ما يمنع ، إذ لا داعي لوجود الموكل بمنى بعد التوكيل ، ومن قائل بعدم الجواز وبطلان النفر والرمي ، لأن التوكيل في الرمي شيء والنفر شيء آخر ، فالنفر يشترط له تمام الرمي بغض النظر عن الرامي ، الوكيل أم الأصيل ؟ ونحن في هذه العجالة نضع أيدينا على بعض النصوص الفقهية التي يدعمها الدليل ، لبيان حكم هذه المسألة ، والله تعالى المسؤول أن يوفقنا لما يحب ويرضى .
علي محمد محمد ونيس
مصر ـ أجهور الكبرى ـ طوخ ـ قليوبية
الدوحة ـ قطر
4 من ذي الحجة / 1425 هجرية

أولا التوكيل في الرمي
التوكيل في الرمي مشروع في الجملة لمن عجز عنه لمرض أو سجن ونحوهما من الأعذار ، وبهذا قال أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ممن يعتد بقوله ، إلا أن الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة يرون أن رمي الوكيل يجزىء عن الموكل ولا شيء عليه ، بينما يرى المالكية أن رمي الوكيل يسقط الإثم عن الموكل ، ويبقى عليه الدم لأنه لم يرم بنفسه ، ومن خلال نصوص كتبهم يتبين لنا ذلك جليا .

* قال السرخسي ـ وهو حنفي ـ :
" وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ رَمْيَ الْجِمَارِ يُوضَعُ الْحَصَى فِي كَفِّهِ حَتَّى يَرْمِيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْهُ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ , وَإِنْ رُمِيَ عَنْهُ أَجْزَأَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّ النِّيَابَةَ تَجْرِي فِي النُّسُكِ كَمَا فِي الذَّبْحِ "

* قال الشيخ أحمد الدردير العدوي المالكي :
" ( وَيَسْتَنِيبُ ) الْعَاجِزُ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِرَمْيِ النَّائِبِ وَفَائِدَةُ الِاسْتِنَابَةِ سُقُوطُ الْإِثْمِ ( فَيَتَحَرَّى ) الْعَاجِزُ ( وَقْتَ الرَّمْيِ ) عَنْهُ ( وَيُكَبِّرُ ) لِكُلِّ حَصَاةٍ كَمَا يَتَحَرَّى وَقْتَ دُعَاءِ نَائِبِهِ وَيَدْعُو "

* قال النووي ـ وهو شافعي ـ :
" قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله : الْعَاجِزُ عَنْ الرَّمْيِ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَنَحْوِهِمَا يَسْتَنِيبُ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ , وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرَضُ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ , وَسَوَاءٌ اسْتَنَابَ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا , وَسَوَاءٌ اسْتَنَابَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَى إنْ قَدَرَ , وَيُكَبِّرُ الْعَاجِزُ , وَيَرْمِي النَّائِبُ , وَلَوْ تَرَكَ الْمُنَاوَلَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ صَحَّتْ الِاسْتِنَابَةُ وَأَجْزَأَهُ رَمْيُ النَّائِبِ لِوُجُودِ الْعَجْزِ عَنْ الرَّمْيِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ : وَيَجُوزُ لِلْمَحْبُوسِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الرَّمْيِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ , وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ . "

* قال ابن قدامة ـ وهو حنبلي ـ :
" إذَا كَانَ الرَّجُلُ مَرِيضًا , أَوْ مَحْبُوسًا , أَوْ لَهُ عُذْرٌ , جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ . قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إذَا رُمِيَ عَنْهُ الْجِمَارُ , يَشْهَدُ هُوَ ذَاكَ أَوْ يَكُونُ فِي رَحْلِهِ ؟ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَشْهَدَ ذَاكَ إنْ قَدَرَ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ . قُلْت : فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ , أَيَكُونُ فِي رَحْلِهِ وَيَرْمِي عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . "

حقيقة النفر
لا بد قبل أن نتكلم عن حكم النفر أن نبين حقيقته ، وقد تبين لنا من كلام الفقهاء أن حقيقة النفر تشتمل على أمور عدة ، لا يصح النفر بدونها ، وهي :
1 ـ نية النفر .
وقد صرح الفقهاء باشتراط النية ـ كما سيأتي ـ ودل على اشتراطها أيضا تعبيرهم بلفظ ( أراد ) والإرادة تتضمن النية وتستلزمها ، كما يدل على اشتراطها قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
ولا يتخيل في الواقع أن يوجد عمل دون نية ، كما صرح بذلك الفقهاء ، والنفر الذي نحن بصدد التكلم عنه ، إما أن يكون بنية الخروج وعدم العود ، وإما أن يكون بنية الخروج مع العزم على العود .
2 ـ مقارنة النية للنفر .
قال العبادي في حاشيته على التحفة عند قول ابن حجر ( لا بد من نية النفر مقارنة له ) :
" ( قَوْلُهُ : مُقَارِنَةً لَهُ ) قَدْ يُقَالُ مَا مَأْخَذُ الْمُقَارَنَةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ( بَصْرِيٌّ ) قَالَ الْكُرْدِيُّ عَلَى بَا فَضْلٍ : مَأْخَذُهَا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ النَّفْرِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ ا هـ . "
4 ـ أن لا ينوي العود عند نفره .
قال ابن حجر :
" وَلَوْ نَفَرَ لِعُذْرٍ , أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَيْسَ فِي عَزْمِهِ الْعَوْدُ لِلْمَبِيتِ ثُمَّ عَادَ لَهَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَبِيتُ وَلَا الرَّمْيُ إنْ بَاتَ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْغَزِّيِّ هُنَا مَا لَا يَصِحُّ فَاحْذَرْهُ أَمَّا إذَا كَانَ فِي عَزْمِهِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ وَلَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّةُ النَّفْرِ ; لِأَنَّهُ مَعَ عَزْمِهِ الْعَوْدَ لَا يُسَمَّى نَفْرًا "

قال ابن قاسم العبادي -رحمه الله- في حاشيته على الغرر البهية في شرح البهجة الوردية :
" قَالَ الْمَدَنِيُّ لِجَوَازِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ لَكِنَّهَا تَعُودُ لِخَمْسَةٍ لِدُخُولِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ : أَنْ يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ جَمِيعِ الرَّمْيِ ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ بَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهُ بِمِنًى أَوْ تَرَكَهُمَا لِعُذْرٍ ، وَأَنْ يَنْوِيَ النَّفْرَ وَأَنْ يَكُونَ نِيَّةُ النَّفْرِ مُقَارِنَةً لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِخُرُوجِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي نِيَّةِ النَّفْرِ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّة :ِ الْقَصْدُ الْمُقَارِنُ ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْرُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ ذِكْرُ الْيَوْمِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي عَزْمِهِ الْعَوْدُ إلَى الْمَبِيتِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ ذِكْرُ النَّفْرِ ; لِأَنَّهُ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدِ لَا يُسَمَّى نَفْرًا "

4 ـ أن تكون نية النفر داخل منى لا خارجها ، فاشتراط مقارنة النية للنفر يقتضي ذلك ، والنية تكون مقارنة للفعل ، أو متقدمة عليه بوقت يسير لا بعده .
قال ابن حجر :
" ( فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِي فَأَرَادَ النَّفْرَ )................... يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَرَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّفْرِ مُقَارَنَةً لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِخُرُوجِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مَبِيتِ وَرَمْيِ الْكُلِّ مَا لَمْ يَتَعَجَّلْ عَنْهُ وَلَا يُسَمَّى مُتَعَجِّلًا إلَّا مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ . ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّفْرِ ا هـ وَيُوَجَّهُ بِمَا ذَكَرْته "
وقد أغفل بعض المصنفين ذكر هذا الشرط ، ولعل تركهم له من باب الاستغناء عن ذكره بما دل عليه سياق الكلام ، فالارتحال الاختياري يغني عن اشتراط نية النفر .
قال الشرواني :
" قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ إلَخْ ) فَعُلِمَ أَنَّ نِيَّةَ النَّفْرِ قَالَ بِهَا الزَّرْكَشِيُّ وَالْمُقَارَنَةُ لِلنَّفْرِ قَالَ بِهَا التُّحْفَةُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ النِّهَايَةُ أَيْ وَالْمُغْنِي وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ لِلنِّيَّةِ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُمْ ( وَنَّائِيٌّ ) وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّمَا سَكَتُوا عَنْ النِّيَّةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذِكْرِهَا لِعَدَمِ انْفِكَاكِ الِارْتِحَالِ الِاخْتِيَارِيِّ عَنْ نِيَّةِ النَّفْرِ , وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ الْمُرْتَحِلُ وُجُودَهَا فِي قَلْبِهِ إذْ اشْتِغَالُ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ بِالشَّدِّ بِدُونِ تَصَوُّرِ الْمَشْدُودِ إلَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ إلَى طَرِيقِ مَكَّةَ بِدُونِ مُلَاحَظَةٍ وَقَصْدِ وُصُولِ مَكَّةَ مُحَالٌ عَادَةً . "
ذكر الشرواني في حاشيته على التحفة في هذا الموضع أن الجمرة الكبرى ليست من منى ، ولذا يجب على من رماها يوم النفر وأراد النفر أن يرجع إلى داخل منى لينوي النفر من داخلها ، وهذا ما دلت عليه النصوص ، وذهب ابن قاسم العبادي إلى إجزاء النية ولو كانت خارج منى ، لمن رجع إلى أرض منى بعد أن رمى العقبة يوم النفر الأول ، ثم خرج منها بلا نية ، وليس المعول في المذهب على كلامه ذاك ، بل المعول على الشروط التي ذكرناها ، وهي التي دلت عليها نصوص المذهب المعتمده ، وهي على خلاف قول العبادي ، وقد عبر عن هذا المحشي على التحفة الشيخ عبد الحميد الشرواني ، بعبارة دقيقة فليتنبه لها .
قال الشرواني :
" عِبَارَةُ الْوَنَائِيِّ وَمَنْ وَصَلَ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ نَاوِيًا النَّفْرَ وَرَمَاهَا , وَهُوَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا خَارِجَ مِنًى تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى حَدِّ مِنًى لِيَكُونَ نَفْرُهُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الرَّمْيِ قَالَهُ ابْنُ الْجَمَالِ , وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التُّحْفَةِ فَيَنْوِي النَّفْرَ ثُمَّ يَنْفَصِلُ عَنْ مِنًى لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَهُ النَّفْرُ الْآنَ بَعْدَ رَمْيِهِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ وَتَكْفِيهِ نِيَّةُ النَّفْرِ مِنْ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ سَيْرَهُ الْأَوَّلَ وَوُصُولَهُ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَا يُسَمَّى نَفْرًا , وَإِنْ نَوَاهُ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الرَّمْيِ وَلَوْ عَادَ الرَّامِي ثُمَّ نَفَرَ وَلَمْ يَنْوِ ثُمَّ نَوَى خَارِجَ مِنًى فَقَضِيَّةُ كَلَامِ ( سم ) أَنَّهُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ لِلنَّفْرِ وَلَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمَكَّةَ بِيَسِيرٍ وَكَلَامُ التُّحْفَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ النَّفْرِ مَوْجُودَةً قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْ مِنًى وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ فَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْجَمَالِ وَحِينَئِذٍ فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ سَيْرِهِمْ مِنْ مِنًى وَإِفَاضَتِهِمْ عَقِبَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ سِيَّمَا النِّسَاءُ وَلَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ بَعْدَ الرَّمْيِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ عِبَارَاتُهُمْ سِيَّمَا عِبَارَةُ التُّحْفَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ , فَإِنْ ظَهَرَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى . "

وقال الشرواني أيضا :
" ( قَوْلُهُ : فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَحَلُّ لُزُومِ الْعَوْدِ مَا لَمْ يَنْوِ النَّفْرَ خَارِجَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ( سم ) "
قوله : " لقائل أن يقول .............الخ " هذا كلام العبادي ، وبناء على هذا فإن الحاج إذا خرج من منى نافرا بعد أن رمى ، أو بعد أن رمى وكيله ، لكنه لم يأت بالنية مقارنة للنفر ، فلا تجزئه نية النفر وهو خارج منى ، على قول جماهير أهل المذهب الشافعي ، كما تبين من النصوص ، ويوافقهم في ذلك غيرهم ـ كما سيأتي ـ ، وذهب ابن قاسم العبادي إلى إجزاء نية النفر لمن كان خارج منى بشرط أن يكون ذلك بعد الرمي وبعد الزوال وقبل دخوله مكة ولو بشيء يسير ، كما دل على ذلك قوله : " وَلَوْ عَادَ الرَّامِي ( أي يعود إلى أرض منى بعد رمي الكبرى يوم النفر الأول بناء على أن الجمرة خارج منى ) ثُمَّ نَفَرَ وَلَمْ يَنْوِ ثُمَّ نَوَى خَارِجَ مِنًى فَقَضِيَّةُ كَلَامِ ( سم ) أَنَّهُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ لِلنَّفْرِ وَلَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمَكَّةَ بِيَسِيرٍ "
فلو دخل مكة بعد أن رمى وخرج من منى ، أو خرج من منى دون أن يرمي ، أو نفر بعد رمي الجمرة مباشرة دون أن يعود إلى أرض منى ؛ لم تجزئه النية خارج منى على قول العبادي أيضا ، وبهذا يتفق العبادي مع غيره في عدم صحة النفر قبل تمام الرمي أو قبل الزوال، وغاية ما يجوزه هو إجزاء النية خارج منى لمن رمى ونفر منها بعد الزوال بدون نية ،ويستوي هنا أن يكون الرمي قد حصل منه أو من وكيله ، لأن العبرة في ذلك هو حصول الرمي ، بغض النظر عن فاعله .
وقد ذكرنا هذه المسألة لئلا يقول قائل : نية النفر خارج منى جائزة على قول العبادي ، ولذا بينا وجه قوله ومحله وشروطه ، مع مخالفته لمنصوص المذهب ، كما سبق بيانه .
5 ـ الانزعاج ( التحرك ) ، أو الاشتغال به .
* قال الخطيب الشربيني :
" (يَنْفِرْ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا : أَيْ يَذْهَبْ . وَأَصْلُهُ لُغَةً : الِانْزِعَاجُ "
* قال ابن حجر :
" ( فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِي فَأَرَادَ النَّفْرَ ) أَيْ : التَّحَرُّكَ لِلذَّهَابِ إذْ حَقِيقَةُ النَّفْرِ الِانْزِعَاجُ فَيَشْمَلُ مَنْ أَخَذَ فِي شَغْلِ الِارْتِحَالِ وَيُوَافِقُ الْأَصَحَّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّ غُرُوبَهَا , وَهُوَ فِي شَغْلِ الِارْتِحَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ , وَإِنْ اعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ "
فلا يتخيل أن يوصف الحاج بالنفر دون أن يتحرك ، وعلى هذا فلا تكفي نية النفر مع البقاء داخل من ، بل لا بد من التحرك ، قبل الغروب ، فلو أدركه الغروب وهو منشغل بالارتحال لم يلزمه المبيت .

ثانيا متى ينفر الموكل من منى ؟
في البداية ننبه إلى أنه لم يتيسر لنا الوصول إلى نص صريح في الوقت الذي يجوز فيه للموكل النفر من منى ، إلا أننا ارتكزنا في بحثنا هذا على ركيزتين أساسيتين :
الركيزة الأولى : النصوص تدل بعمومها على عدم جواز النفر من منى إلا بشرطين :
1 ـ أن يكون النفر بعد الزوال .
2 ـ أن يكون النفر بعد تمام الرمي .
الركيزة الثانية : بعض النصوص التي ساوت بين حال الأصيل إذا رمى بنفسه ، أو رمى عنه وكيله ، من حيث عدم جواز النفر في الحالتين إلا بعد الرمي ، وسنرى ذلك في موضعه إن شاء الله .

* الركيزة الأولى من خلال نصوص الفقهاء :
سيتبين من خلال نصوص الفقهاء أن النفر لا يصح قبل الزوال ، كما لا يصح قبل الرمي ، وهذا بعمومه يشمل كل حاج سواء رمى بنفسه ، أو رمى عنه نائبه ، إذ لا فرق بينهما في هذه الشروط ، حيث أطلقت النصوص الشروط دون نظر إلى رامي الجمار ، هل هو الأصيل أم الوكيل ؟
وأصرح من ذكر هذه الشروط السادة الشافعية ـ رحمهم الله ـ ، ومن هذه النصوص المباركة ، ما نقلناه من معتمد كتبهم التي عليها المعول ، مع تحقيق لبعض الشبه التي عرضت أثناء البحث ، والله الموفق .

* قال ابن قاسم العبادي -رحمه الله- في حاشيته على الغرر البهية في شرح البهجة الوردية :
" قَالَ الْمَدَنِيُّ لِجَوَازِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ لَكِنَّهَا تَعُودُ لِخَمْسَةٍ لِدُخُولِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ : أَنْ يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ جَمِيعِ الرَّمْيِ ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ بَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهُ بِمِنًى أَوْ تَرَكَهُمَا لِعُذْرٍ ، وَأَنْ يَنْوِيَ النَّفْرَ وَأَنْ يَكُونَ نِيَّةُ النَّفْرِ مُقَارِنَةً لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِخُرُوجِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي نِيَّةِ النَّفْرِ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّة :ِ الْقَصْدُ الْمُقَارِنُ ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْرُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ ذِكْرُ الْيَوْمِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي عَزْمِهِ الْعَوْدُ إلَى الْمَبِيتِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ ذِكْرُ النَّفْرِ ; لِأَنَّهُ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدِ لَا يُسَمَّى نَفْرًا "

* قال الخطيب الشربيني :
" ( فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ ) الْأَوَّلَ , وَ ( الثَّانِيَ ) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ( وَأَرَادَ النَّفْرَ ) مَعَ النَّاسِ ( قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ) فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ( جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمَى يَوْمَهَا ) وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لقوله تعالى : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } وَلِإِتْيَانِهِ بِمُعْظَمِ الْعِبَادَةِ . وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ إذَا بَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ . فَإِنْ لَمْ يَبِتْهُمَا لَمْ يَسْقُطْ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا , وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَأَقَرَّهُ , وَكَذَا لَوْ نَفَرَ بَعْدَ الْمَبِيتِ وَقَبْلَ الرَّمْيِ كَمَا يُفْهِمُهُ تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِبَعْدِ الرَّمْيِ , وَبِهِ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الشَّرِيفِ الْعُثْمَانِيِّ قَالَ : لِأَنَّ هَذَا النَّفْرَ غَيْرُ جَائِزٍ . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَهُوَ ظَاهِرٌ , وَالشَّرْطُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالرَّمْيِ "

* قال محب الدين الطبري المكي الشافعي :
" فجواز النفر الأول مشروط بشرطين : أحدهما أن ينفر قبل غروب الشمس من اليوم الثاني ، فإن غربت قبل أن ينفر لزمه المبيت ، ورمى اليوم الثالث .
الشرط الثاني : أن ينفر بعد الزوال ، فإن نفر قبله ، قال العثماني من أصحابنا : لا يسقط عنه المبيت في الليلة الثالثة ، ولا رمي اليوم الثاني والثالث ، لأن ذلك إنما يسقط بنفر جائز ، وهذا غير جائز "

* وفي فتاوى شهاب الدين أحمد بن أحمد الرملي :
" ( سُئِلَ ) هَلْ الْمُعْتَمَدُ جَوَازُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ قَبْلَ رَمْيِ يَوْمِهِ ؟
( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُهُ . "
هذه نصوص السادة الشافعية تدل على ما ذكرناه صراحة ، كما أن نصوص المذاهب الأخرى تدل على ذلك بعموم ألفاظها الواردة بهذا الشأن ، بما يدل على المراد ، وهاك بعضها .
* قال الكاساني ـ وهو حنفي ـ :
" فَإِذَا رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ , وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَلَهُ ذَلِكَ لقوله تعالى { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } أَيْ مَنْ نَفَرَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَمَا رَمَى يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ , وَتَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي تَعْجِيلِهِ , وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ بَلْ يَتَأَخَّرَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ , وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْهَا فَيَسْتَوْفِي الرَّمْيَ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا ثُمَّ يَنْفِرُ "
فقوله : " فإذا رمى ........... فأراد أن ينفر .......... الخ "
يدل على اشتراط النية كما مر في نصوص الشافعية ، وكذا يدل على كون النية مقارنة للنفر ، وأن النفر يكون بعد تمام الرمي وبعد الزوال .

أما المالكية فدلالتها على ذلك واضحة أيضا ، وسيتبين ذلك من خلال عرضها ، ومن هذه النصوص :
* قال علي أبو الحسن المالكي :
" وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى وَانْصَرَفَ ) قَسِيمُ قَوْلِهِ : يُقِيمُ بِمِنًى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هَذَا مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَإِذَا غَرُبَتْ فَلَا تَعْجِيلَ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ إنَّمَا أُمِرَ بِالْمُقَامِ فِيهَا مِنْ أَجْلِ رَمْيِ النَّهَارِ , فَإِذَا غَرُبَتْ الشَّمْسُ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ رَمْيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ , وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَغَيْرِهِمْ فِي التَّعْجِيلِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ لِعُمُومِ قوله تعالى : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } "
فقوله : " وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى وَانْصَرَفَ " ، يدل بوضوح على اشتراط النية بقوله ( شاء ) كما يدل على اشتراط الرمي بقوله ( فرمى ) ، وأن يكون الرمي بعد الزوال ، فالرمي لا يجوز عند المالكية إلا بعد الزوال قولا واحدا .
وقد أوجب الإمام مالك الدم على من ترك رمي جمرة من الجمار ناسيا حتى نفر إلى مكة ، سواء رجع فرماها قبل الغروب أو لم يرجع ، وهذا أحد الوجهين المفهومين من عبارته في الموطأ ، ووافقه عليه ابن حبيب فأوجب الدم عليه ولو عاد فرمى قبل الغروب ، وعلل ذلك بنفره قبل تمام رميه ، وهذا واضح في إثبات المراد ، ولمالك قول آخر بسقوط الدم إذا عاد فرمى قبل الغروب .
* ففي الموطأ :
" ( سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ نَسِيَ رَمْيَ جَمْرَةٍ مِنْ الْجِمَارِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ مِنًى حَتَّى يُمْسِيَ قَالَ : لِيَرْمِ أَيَّ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَا يُصَلِّي الصَّلَاةَ إذَا نَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَاجِبٌ ) . "

* قال الباجي شارحا لذلك :
" ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ يُرِيدُ بَعْدَ مَا صَدَرَ مِنْ مِنًى وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْمِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ لِأَنَّهُ رَمَى بَعْدَ النَّفْرِ وَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ نَفَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ سَوَاءٌ رَجَعَ لَهُ فِيمَا تَرَكَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْفَوَاتَ وَلَا الرُّجُوعَ وَالْإِدْرَاكَ وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَدَرَ وَفَاتَهُ الرَّمْيُ لِفَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ . "
ونذكر هنا بأن مذهب المالكية في التوكيل هو الجواز كمذهب الجمهور ، إلا أن الدم يثبت على الموكل ، ولو رمى عنه الوكيل ، فرمي الوكيل عندهم يسقط الإثم ولا يسقط الدم ، وقد سبق بيان هذا في صدر المبحث ، لكنهم يوافقون في عدم صحة النفر إذا حصل دون استيفاء الشروط التي ذكرناها ، ولذلك أوجبوا العود على من خرج من منى دون استيفاء شروط جواز النفر ، ولا فرق في وجوب العود بين من وكل وبين من رمى بنفسه ، لأن المقصود توفر شروط النفر بغض النظر عن الرامي ، وهذا ما تدل عليه ظاهر النصوص .

أما الحنابلة فعموم النصوص عندهم لا يخرج عن الشروط التي دلت عليها نصوص المذاهب الأخرى ، من عدم جواز النفر قبل الزوال ، وقبل الرمي ، وحصول نية النفر ، ولا فرق في هذا بين الأصيل والوكيل أخذا بالعمومات .
* قال مصطفى بن سعد بن عبدة الرحيباني الحنبلي :
" ( وَلِغَيْرِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ لِلْمَنَاسِكِ التَّعْجِيلُ فِي ) الْيَوْمِ ( الثَّانِي ) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالرَّمْيِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ ) لقوله تعالى : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ , وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ : { وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ } "
ويستدل من هذا النص على ما ذكرنا بقوله : " بعد الزوال والرمي وقبل الغروب "
* وقال ابن قدامة ـ وهو حنبلي ـ :
" مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ , فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ , خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا , لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَرْمِيَ مِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ , كَمَا رَمَى بِالْأَمْسِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَالرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ , فِي وَقْتِهِ وَصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا . فَإِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّلَ فِي يَوْمَيْنِ , خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوبِ . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنْ الْحَرَمِ , غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ , أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . "
ويؤخذ اشتراط النية هنا من قوله : " من أراد الخروج من منى ..... الخ "

ـ نص صريح منقول عن الإسنوي الشافعي في عدم جواز النفر قبل رمي الوكيل إن أمكن تدارك الرمي به :

* قال الجمل ـ وهو شافعي ـ :
" فَإِنْ نَفَرَ فِيهِ ( يعني النفر الأول ) قَبْلَ رَمْيِهِ لَمْ يَجُزْ وَبِهِ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الشَّرِيفِ الْعُثْمَانِيِّ قَالَ لِأَنَّ هَذَا النَّفْرَ غَيْرُ جَائِزٍ , قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ وَاسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ , وَقَوْلُهُ : وَبَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَإِنْ تَرَكَ مَبِيتَهُمَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ النَّفْرُ فِي الثَّانِي ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا ا هـ . مِنْ شَرْحِ ( م ر ) . وَعِبَارَةُ ( حَجّ ) أَمَّا إذَا لَمْ يَبِتْهُمَا وَلَا عُذْرَ لَهُ أَوْ نَفَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّمْيِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّفْرُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ نَعَمْ يَنْفَعُهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى الْعَوْدُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَيَرْمِي وَيَنْفِرُ حِينَئِذٍ , وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ طَرْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْأُولَى فِي الرَّمْيِ فَمَنْ تَرَكَهُ لَا لِعُذْرٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّفْرُ أَوْ لِعُذْرٍ يُمْكِنُ مَعَهُ تَدَارُكُهُ وَلَوْ بِالنَّائِبِ فَكَذَلِكَ أَوْ لَا يُمْكِنُ جَازَ انْتَهَى . "
الذي يظهر لنا من هذا النص أن من ترك مبيت الليلتين الأوليين لغير عذر ، أو نفر قبل الزوال ، أو بعده وقبل الرمي ، فإنه يترتب عليه ثلاثة أحكام :
1 ـ لا يجوز له النفر .
2 ـ لا يسقط عنه مبيت الثالثة .
3 ـ لا يسقط عنه رمي اليوم الثالث .
لكن إذا نفر قبل الزوال ، أو بعده وقبل الرمي ، كان له أن يعود قبل الغروب فيرمي وينفر ، وهذا هو المعتمد .
* وفي فتاوى شهاب الدين أحمد بن أحمد الرملي :
" ( سُئِلَ ) هَلْ الْمُعْتَمَدُ فِيمَنْ نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ قَبْلَ رَمْيِ يَوْمِهِ ثُمَّ عَادَ عَدَمُ إجْزَائِهِ مُطْلَقًا أَمْ التَّفْصِيلُ فَيُجْزِئُهُ إنْ رَمَى قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِهِ وَإِلَّا فَلَا أَمْ يُجْزِئُهُ مَا لَمْ تَخْرُجْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ؟ ( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ إجْزَاءُ رَمْيِهِ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِهِ . "
وذهب الإسنوي ( كما دل عليه النص السابق ) إلى أنه إذا نفر قبل الزوال ، أو بعده وقبل الرمي ، وجبت عليه الأمور الثلاثة المترتبة على ترك مبيت الليلتين لغير عذر ـ وقد سبق ذكرها ـ وذلك طردا لحكم الحالة الأولى على هاتين الحالتين ، وقد استفيد من بحثه :
1 ـ أن من ترك الرمي لغير عذر لا يجوز له النفر .
2 ـ أن من ترك الرمي لعذر ، لكن يمكنه تداركه ولو بالنائب ففرط في ذلك ، فلا يجوز له النفر أيضا ، فإن لم يمكنه بالنائب مع العذر جاز نفره .
وما ذكرناه من التقسيم هنا ظاهر في اعتبار عدم جواز النفر حتى يرمي الوكيل في حالة عذر الموكل ، إن كان متيسرا .
ويوضح ما ذكرنا العبادي ـ رحمه الله ـ في حاشيته على تحفة المحتاج ، ونصه فيها :
" قَوْلُهُ : وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ طَرْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْأُولَى فِي الرَّمْيِ ) عِبَارَةُ السَّيِّدِ فِي حَاشِيَتِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَيُتَّجَهُ طَرْدُ ذَلِكَ فِي الرَّمْيِ أَيْضًا قُلْت إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الرَّاجِحِ فِي أَنَّ أَيَّامَ مِنًى كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي تَدَارُكِ الرَّمْيِ أَدَاءً فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الرَّمْيِ قَبْلَ أَنْ يَنْفِرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ النَّفْرُ قَبْلَهُ كَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ النَّفْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ رَمْيِ يَوْمِهِ ا هـ , وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا أَرَادَ النَّفْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلَمْ يَكُنْ رَمَى فِيمَا قَبْلَهُ , فَإِنْ تَدَارَكَ فِيهِ رَمْيَ مَا قَبْلَهُ أَيْضًا جَازَ نَفْرُهُ وَإِلَّا فَلَا . ( قَوْلُهُ : فِي الرَّمْيِ ) أَيْ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَقَوْلُهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّفْرُ أَيْ , وَإِنْ كَانَ وَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ بَاقِيًا فَتَرْكُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ مُوجِبٌ لِبَيَاتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيِ يَوْمِهَا وَمَانِعٌ مِنْ النَّفْرِ الْأَوَّلِ هَذَا ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ................................ ( قَوْلُهُ : أَوْ لِعُذْرٍ يُمْكِنُ مَعَهُ تَدَارُكُهُ ) كَانَ مَعْنَاهُ يُمْكِنُ مَعَ الْعُذْرِ تَدَارُكُ الرَّمْيِ ا هـ . ( قَوْلُهُ : أَوْ لَا يُمْكِنُ جَازَ ) ظَاهِرُهُ , وَإِنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ فِي يَوْمِ النَّفْرِ قَبْلَهُ وَلَمْ يَتَدَارَكْ وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ ( قَوْلُهُ : فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ ) يَنْبَغِي مَا لَمْ يَقْصِدْ قَبْلَ الْغُرُوبِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْمَبِيتِ وَعَدَمَ الْعَوْدِ . "
فقوله : " يَنْبَغِي مَا لَمْ يَقْصِدْ قَبْلَ الْغُرُوبِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْمَبِيتِ وَعَدَمَ الْعَوْدِ " سبق بيانها ، واتضح أن المقصود منها ، أنه تجزئه نية النفر من خارج منى ، وقبل أن يبلغ مكة ولو بشيء يسير، إذا رمى بعد الزوال ثم خرج ولم ينو النفر ، أو نوى العود للمبيت ، وهذا قول العبادي ـ رحمه الله ـ وعبارة التحفة وغيرها بخلاف ذلك ، والمعول على غير كلام العبادي كما مضى بيانه .
* قال الشرواني :
" فَقَضِيَّةُ كَلَامِ ( سم ) أَنَّهُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ لِلنَّفْرِ وَلَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمَكَّةَ بِيَسِيرٍ وَكَلَامُ التُّحْفَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ النَّفْرِ مَوْجُودَةً قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْ مِنًى وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ فَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْجَمَالِ وَحِينَئِذٍ فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ سَيْرِهِمْ مِنْ مِنًى وَإِفَاضَتِهِمْ عَقِبَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ سِيَّمَا النِّسَاءُ وَلَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ بَعْدَ الرَّمْيِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ عِبَارَاتُهُمْ سِيَّمَا عِبَارَةُ التُّحْفَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ , فَإِنْ ظَهَرَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى "
ولم نجد نصا بخلافه ، فبقي الأمر على ما هو عليه ، ولا يلتفت إلى كلام العبادي ـ رحمه الله ـ وبهذا يزول الإشكال .

فتوى اللجنة الدائمة
أوجبت اللجنة الدائمة الدم على من وكل ثم نفر قبل رمي وكيله ، واعتبروه بمثابة من لم يرم ، وهذا يوافق ما ذكرناه آنفا .
جاء في فتوى اللجنة الدائمة برقم : ( 3422 ) في من وكل في رمي الجمار ثم نفر من منى قبل رمي الوكيل ما يفيد أن على من وكل دم قالوا: " لأنهم في حكم من لم يرم لنفرهم قبل الرمي. انتهى "


الخلاصة
يتلخص مما سبق أن العلماء قد وضعوا للنفر من منى شروطا لا تجوز مخالفتها ، وقد ذكرنا هذه الشروط مستوفاة في مواضعها ، ولا يجوز للمرء أن يتعدى حدود الله تعالى دون أن يكون معه على ما يقوم به أو يدعو إليه برهان ، وقد ترجح من خلال هذا المبحث عدم جواز النفر قبل تمام أعمال الحاج في منى ، سواء كان ذلك بنفسه أو بنائبه ، إذ لا يعني توكيله بالرمي جواز النفر ، بل يجب عليه استيفاء شروط النفر أولا ، ولا فرق بين أن يستوفيها بنفسه أو بنائبه ، ومن أهم شروط النفر ، تمام الرمي ، ونية النفر ، ومقارنة النية للرحيل ، وهذا قول الجماهير ، إما نصا وإما مفهوما .
كما أن فعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدل دلالة واضحة على عدم جواز النفر إلا بعد إتمام الرمي وبعد الزوال ، سواء كان الحاج متعجلا ، أو كان متأخرا ، فعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ : لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ "
ولا شك في أنه وجد في حجته التي حجها ـ صلى الله عليه وسلم ـ معذورون قد وكلوا من يرمي عنهم ، ولو كان خروجهم من منى جائزا قبل تمام الشروط التي بيناها ، لبينه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنص واضح صريح ، لاسيما وقد أذن للضعفة والظعن أن يخرجوا من مزدلفة بعد منتصف الليل ، تجنبا للزحام ، والحاجة إلى ذلك قائمة وملحة في تقدم الضعفة والعاجزين عن الرمي إلى مكة قبل غيرهم ، ليدركوا المنزل ، ويتجنبوا الزحام ، فلما ترك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا البيان ، علم أن الأمر باق على ما كان ، وهو الالتزام بالبقاء في أرض منى حتى تتم الأعمال الواجبة على الحاج في منى ، ولو كان ذلك جائزا لما شق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الأمة ، ولأذن لمن وكل بالرحيل ، كما فعل في المزدلفة ، لاسيما وقد وضع ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبدأ رفع الحرج شعارا في هذا الموسم العظيم ، فما سئل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سيء قدم ولا أخر إلا قال : " افعل ولا حرج " .
وهاهي النصوص تشهد لما ذكرنا من ضرورة عدم النفر قبل تمام المناسك ، والحرص على إقامة ذكر الله تعالى فيها .
فعن جَابِرٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ : " حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَلَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ "
وقال ابن أبي شيبة : " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : يُشْهَدُ بِالْمَرِيضِ الْمَنَاسِكُ كُلُّهَا وَيُطَافُ بِهِ عَلَى مَحْمَلٍ فَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ وُضِعَ فِي كَفِّهِ ثُمَّ رُمِيَ بِهِ مِنْ كَفِّهِ . "
وقال : " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ نَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : يُحْمَلُ الْمَرِيضُ إلَى الْجِمَارِ , فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرْمِيَ فَلْيَرْمِ , وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُوضَعْ الْحَصَى فِي كَفِّهِ , ثُمَّ يُرْمَى بِهَا مِنْ كَفِّهِ "

وننبه هنا إلى أمر مهم ، وهو أن المقصود من رمي الجمار هو ذكر الله تعالى ، وامتلاء القلب بروح المشاهد والمناسك ، وليس هو مجرد فعل ظاهر خال من الخشوع والخضوع والانقياد والاستسلام ، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : إنما جعل الطواف بالكعبة وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل "
وكثير من الناس يفرط في هذا المقصد العظيم ، الذي لأجله أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب ، وفرض الجهاد ، قال تعالى : " الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز "

* قال الغزالي : " وأما رمي الجمار ، فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية ، وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه ، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم ـ عليه السلام ـ حيث عرض له إبليس ـ لعنه الله تعالى ـ في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة ، أو يفتنه بمعصية ، فأمره الله ـ عز وجل ـ أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله .
فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه ، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان ، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به ، فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان .
واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة ، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره ، إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه "

* قال ابن جماعة :
" وانو عند رمي الجمار أنك رميت عيوبك وسالف ذنوبك ، وأقلعت عنها "

ولذا فإن العلماء كرهوا جميع ما يلهي عن ذكر الله تعالى ، أو يفضي إلى الإلهاء عنه ، حتى ولو كان الشيء في أصله مباحا ، ومما ذكروه في هذا الجانب تقديم الأمتعة إلى مكة قبل النفر ، فكره العلماء ذلك ، لأن الذهن ينشغل بالمتاع ويكون معه ، وفي هذا من التشويش على العبادة ما هو معلوم ، وكذا نقول هنا فيمن يوكل ثم يخرج قبل الزوال أو بعده وقبل رمي الوكيل ، أين من يفعل هذا من ذكر الله تعالى ؟!!!!
وأين هو من السكينة والخشوع المطلوبين عند أداء العبادة ؟!!!!

* قال أبو بكر محمد بن علي الحدادي العبادي الحنفي :
" ( قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِنْسَانُ ثَقَلَهُ إلَى مَكَّةَ وَيُقِيمَ حَتَّى يَرْمِيَ ) ثَقَلَهُ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْقَافِ وَهُوَ مَتَاعُهُ وَخَدَمُهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِ سُنَّةِ الرَّمْيِ وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهِ خَلْفَهُ وَيُصَلِّيَ مِثْلَ النَّعْلِ وَشِبْهِهِ لِأَنَّهُ يُشْغِلُ قَلْبَهُ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا لِأَنَّ قَلْبَهُ حَيْثُ رَحْلُهُ وَمَتَاعُهُ "

* قال عبد الرحمن بن محمد شيخي زاده الحنفي ( الشهير بداماد ) :
" ( وَكُرِهَ تَقْدِيمُ ثَقَلَهُ ) الثَّقَلُ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَتَاعُ الْمَحْمُولُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْجَمْعُ أَثْقَالٌ ( إلَى مَكَّةَ قَبْلَ نَفْرِهِ ) ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ وَهُوَ فِي الْعِبَادَةِ فَيُكْرَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ أَمْتِعَتِهِ بِمَكَّةَ وَالذَّهَابُ إلَى عَرَفَاتٍ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ عَلَيْهَا بِمَكَّةَ أَمَّا إنْ أَمِنَ فَلَا لِعَدَمِ شَغْلِ الْقَلْبِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . "
وقد تقدم ذكر ما استحبه المالكية وغيرهم من تكبير الموكل عند رمي الوكيل،بل واستحب بعضهم حضوره عند الرمي ليرى ذلك بنفسه ، ويكثر من ذكر الله عنده .
* قال الشيخ أحمد الدردير العدوي المالكي :
" ( وَيَسْتَنِيبُ ) الْعَاجِزُ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِرَمْيِ النَّائِبِ وَفَائِدَةُ الِاسْتِنَابَةِ سُقُوطُ الْإِثْمِ ( فَيَتَحَرَّى ) الْعَاجِزُ ( وَقْتَ الرَّمْيِ ) عَنْهُ ( وَيُكَبِّرُ ) لِكُلِّ حَصَاةٍ كَمَا يَتَحَرَّى وَقْتَ دُعَاءِ نَائِبِهِ وَيَدْعُو "
وكل هذا يدل على حرص الشرع على كمال التعبد ، والقيام بوظائف الفرائض على الوجه الأكمل ، فيؤتى المرء إذا واظب على ذلك ثمار التعبدات ، وينعكس ذلك على سلوكه،فترى آثار الطاعات قد عمت حياته ، وملأت أركانها .
خاتمة
وبعد هذه التطوافة العجلى بين كتب الصالحين، وأنفاس المحققين والمدققين ، لا يسعني إلا أن أدعو الله تعالى بأن يوفق العاملين لدينه ، وأن يرزقنا الفهم لكتابه ولسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن يرزقنا النية الصالحة في جميع الأعمال ، والعزيمة الصادقة في طلب العلم والعمل ، وأن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة ، فثمرة العلم ولبه الخشية .
وَحَاصِلُ الْعِلْمِ مَا أُمْلِي الصِّفِــــــاتِ لَـــــهُ فَأَصْغِ سَمْعَــكَ وَاسْتَنْـصِــــتْ إِلَــى كَـــــلِمِ
وَذَاكَ لاحِفْــــظُكَ الْفُتْيَــــــا بَأَحْــــــرُفَهَا وَلاَ بِتَسْـــــوِيـــــــــدَكَ الأَوْرَاقَ بِالْحُـــــمَمِ
وَلاَ تَصَدُّرُ صَــدْرِ الْجَمْــــــعِ مُحَتَبِــــــيًا تُمْلِيـــــهِ لاَ تَفْقَــــــهُ الْمَعْنِــــيَّ بِالْكَـــــلِمِ
وَلاَ الْعِمَامَــــــةُ إِذَا تُرْخِــــــي ذُؤْابِتَـــها تَصَنُّـــــعًا وَخِضَـــــابُ الشَّيْـبِ بِالْكَتْـــــمِ
وَلاَ بِقَوْلِكَ: "يَعْنِــــــي" دَائِبًا وَ"نَعَــــــمْ" كـَــــلاَّ وَلاَ حَمْـــــلُكَ الأَسْفَـارَ كَالْبُهَـــــمِ!
وَلاَ بِحَمْــــــلِ شَهَــــــادَاتٍ مُبَهْرَجَــــةٍ بِزُخْــرُفِ الْقَـــــوْلِ مِنْ نَثْـــــرٍ وَمُنْتَـــــظَمِ
بَلْ خَشْيَــــــةُ اللَّهِ فِي سِــــرٍّ وَفِـي عَلَـنٍ فَاعْلَـــمْ هِـــيَ الْعِلْـــــمُ كُــلَّ الْعِــلْمِ فَالْتَزِم

 

دخول العضو